السيد محمد تقي المدرسي
19
من هدى القرآن
لماذا عصى إبليس ؟ ولقد جاء في الأحاديث أن التعبير القرآني الذي استخدم ضمير الجمع هنا في : خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ دليل على واقعة الذر ، حيث خلق الله عز وجل البشر جميعا بصورة ( ذر ) في صلب آدم ، ولذلك جاءت كلمة ثُمَّ للدلالة على الترتيب . [ 12 ] ولكن ما هي الصفة التي كانت في إبليس ، فمنعته عن السجود بعد ما جاء الأمر الصريح ؟ . قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ استخدم القرآن التعبير بكلمة إِلَّا بدل ( أن ) ربما للإشارة إلى أن صفة المنع لم تكن آنية أو محدودة بهذا العمل ، بل كانت مرتبطة بالطاعة على العموم ، أي ما منعك عن الطاعة ألا تسجد . قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ لقد كان جواب إبليس واضحا ، لقد كان سبب عصيانه العنصرية ، والزعم بأن عنصره أفضل من عنصر آدم ، وعموما هناك مقياسان للإنسان ، أما مقياس الذات ، وأما مقياس العمل الصالح ، فإذا كان مقياس الشخص هو ذاته ، فإنه سوف لا يقف عند حد في جريمته ، لأنه لا يرى شيئا أقدس من ذاته أو أعلى من نفسه ، ومن هنا فإن جذر كل المشاكل البشرية ، هو : تقوقع الإنسان في ذاته ، واعتقاده بأن ذاته هي المقياس ، وما الإقليمية ، والقومية ، والعشائرية ، وكل الحواجز الذاتية ما هي سوى آثار لهذه العنصرية المقيتة . [ 13 ] ولكن مقياس الحق هو : مقياس العمل الصالح ، لا فرق بين عامله من يكون ؟ ومن أي عنصر ؟ لذلك أخرج الله إبليس من جنته . قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا أي من السماء أو من الجنة ، وتدل كلمة الهبوط على الهبوط من مكان أعلى ، ومن الطبيعي أن يكون هبوط إبليس ليس ماديا فحسب ، بل ومعنويا أيضا ، ولذلك عاد القرآن واستخدم كلمة الإخراج أيضا . فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنْ الصَّاغِرِينَ وهكذا كانت الخطيئة الأولى بسبب الاعتماد على العنصر ، والذي تجسد في صورة التكبر عن الحق ، ومن ثم كان الجزاء الهوان . من حقائق الجزاء [ 14 ] وعلى الإنسان أن يعرف حقيقة هامة جداً هي : أن الجزاء لا يكون دائما بعد العمل