الشيخ محمد علي الأنصاري
616
الموسوعة الفقهية الميسرة
إنّ الشكّ في هذين الموردين راجع إلى تعيين المكلّف به ، بعد إحراز أصل التكليف ، ولذلك لو احتملنا دخالة وصف أو قيد في المكلّف به ، فالعقل يحكم بلزوم تعيّنه ؛ لأنّ العلم بالاشتغال اليقيني الذي كان حاصلًا لا يزول إلّابالفراغ اليقيني الذي لا يحصل إلّابإتيان ما نحتمل تعيّنه « 1 » . والحاصل : أنّ المورد من موارد الاشتغال فلا تجري فيه البراءة ، بل مفاد الأصل كما تقدّم في أدلّة المشترطين للأعلميّة ، هو اشتراط الأعلميّة في المقلَّد ، فيكون اشتراطه - بناءً على هذا الأصل ومع غضّ النظر عن الأدلّة الاجتهادية - مبنيّاً على الاحتياط ، بمعنى كونه مفرغاً للذمّة قطعاً ، لا أنّه شرط واقعاً . توافق الأعلم وغيره في الفتوى وعدمه : إنّ الأعلم وغيره تارةً يتوافقان في الفتوى ، وأُخرى يختلفان . والمقلّد تارةً يعلم بتوافقهما أو تخالفهما ، وأُخرى لا يعلم . فالحالات إذن ثلاثة : 1 - أن يُعلم بتوافقهما : إذا علم المقلِّد بتوافق الأعلم وغيره في الفتوى - وإن كان وقوعه نادراً - فالحجّة في حقّه هو الجامع بينهما ، فلا يجب الاستناد إلى خصوص واحدٍ منهما ، كما لو قام خبران على حكمٍ واحدٍ ، فللفقيه أن يستند إلى الجامع بينهما ، ولا يجب أن يستند إلى واحدٍ بخصوصه « 2 » . ولذلك لا محلّ للأبحاث المتقدّمة في هذا الفرض . 2 - أن يعلم باختلافهما : وإذا كان المقلِّد عالماً باختلاف الأعلم وغيره في الفتوى ، كإفتاء أحدهما بوجوب السورة ، وإفتاء الآخر بعدمه ، فالأبحاث السابقة كلُّها تأتي في هذا الفرض ، وقلنا : - إنّ المشهور هو لزوم الرجوع إلى الأعلم لاقتضاء الأدلّة الاجتهاديّة ذلك ، ومنها السيرة العمليّة ، وعلى فرض عدم تماميّتها ، فيدلّ عليه الأصل العملي . - وإنّ هناك قولًا آخر مفاده عدم الوجوب ، بل جواز الرجوع إلى غير الأعلم ، وتقدّمت أدلّته وأشرنا إلى وجود المناقشة فيها . - وقيل : إنّه لو كانت هناك قرائن خارجيّة تؤيّد قول غير الأعلم فيجب العمل به ، كما لو كان قوله موافقاً للاحتياط ، أو المشهور ، أو للأعلم من الأموات والأحياء « 3 » . 3 - أن يحتمل الوفاق والخلاف : إذا لم يحرز المكلَّف الوفاق بين المجتهدين
--> ( 1 ) أُنظر : مطارح الأنظار 2 : 530 - 531 ، والتنقيح ( الاجتهاد والتقليد ) : 148 - 151 . ( 2 ) أُنظر : نهاية الأفكار 4 ( القسم الثاني ) : 247 ، والتنقيح ( الاجتهاد والتقليد ) : 135 ، ومنتهى الدراية 8 : 581 - 582 . ( 3 ) أُنظر منتهى الدراية 8 : 582 .