الشيخ محمد علي الأنصاري
409
الموسوعة الفقهية الميسرة
هل يتّصف التهاتر بأحد الأحكام الخمسة ؟ عُلم ممّا تقدّم : أنّ التهاتر نفسه أمرٌ قهري غير اختياري ، فلذلك لا يتّصف بأحد الأحكام الخمسة ؛ لأنّ محلّها إنّما هو فعل المكلّف الاختياري ، ولم يكن التهاتر كذلك . بل التهاتر حكم شرعي قهري ، كالإرث . وكما قال السيّد الحكيم : « التقاصّ المشروع اختياري من أفعال المكلّف القصديّة ، بخلاف التهاتر ، فإنّه من الأحكام الشرعيّة » « 1 » . ولذلك يقال : لا يجوز التقاصّ مع عدم امتناع من عليه الحقّ عن دفعه ، ويجوز مع امتناعه ، والجواز هنا يشمل التكليفي والوضعي . ولا يقال : يجوز التهاتر عند كذا أو لا يجوز عند كذا ، بمعنى الجواز التكليفي . نعم ، يصحّ بمعناه الوضعي ، بمعنى أنّه يصحّ التهاتر عند التساوي في الجنس والصفة والمقدار مثلًا ، ولا يصحّ مع الاختلاف . شروط التهاتر : لا يشترط في التهاتر إلّاالتماثل في الجنس والصفة والمقدار . وعليه إذا لم يكن الحقّان متماثلين لم يتحقّق التهاتر ، كما إذا كان لأحدهما على الآخر مئة بيضات في الذمّة ، وللآخر عليه مئة جوزات في الذمّة ، لأنّ هذا يحتاج إلى المحاسبة والتراضي في القيمة ، فلا يحصل التهاتر القهري . وكذا إذا كان لأحدهما على الآخر مئة دينار ذهب جياد ، وللآخر عليه مئة دينار ذهب رديئة ، فلا يحصل التهاتر القهري . وكذا إذا كان لأحدهما على الآخر مئة دينار حالّة ، وللآخر عليه مئة دينار مؤجّلة . إذن فاللازم كون ما في الذمّتين حالّين أو مؤجّلين . وكذا لو اتّفقا في الجنس والوصف ، لكن لم يتّفقا في المقدار . وهذا ما صرّح به الفقهاء في مواضع مختلفة « 2 » . محلّ التهاتر : لا إشكال في أنّ محلّ التهاتر في الديون ونحوها ممّا يكون في الذمّة إنّما هو الذمّة ، فتتهاتر ما في ذمّة أحد الشخصين مع ما في ذمّة الشخص الآخر مع الشروط المتقدّمة ، وهذا واضح . وإنّما الكلام في أنّ التهاتر هل يحصل في الأعيان مع ملاحظة الشرائط السابقة أم لا ؟ ظاهر بعض الفقهاء ، بل صريحهم هو وقوع التهاتر فيها . قال الشهيد الأوّل بالنسبة إلى العبد المكاتب
--> ( 1 ) المستمسك 13 : 302 . ( 2 ) كما ستأتي الإشارة إلى أقوالهم تدريجاً .