الشيخ محمد علي الأنصاري

583

الموسوعة الفقهية الميسرة

الصيغة الثانية - استصحاب عدم التكليف الثابت قبل الشرع ، أو في أوّل الشريعة وقبل التشريع ؛ فإنّ الأحكام شرّعت على نحو التدريج ونحن نقطع بأنّ كلّ هذه التكاليف لم تكن مشرّعة وثابتة قبل البعثة ولا بعدها وقبل التشريع ، فإن حصل الشكّ في تكليف ما فنستصحب عدم التكليف الثابت في هاتين الفقرتين . الصيغة الثالثة - استصحاب عدم التكليف الثابت قبل تحقّق موضوع التكليف المشكوك أو قيوده ، فقبل الاستطاعة نقطع بعدم وجوب الحجّ ولكن بعد حصول الاستطاعة الماليّة نشكّ في أنّ الاستطاعة منحصرة في الماليّة أو تعمّها والبدنيّة أيضا ، فنستصحب عدم وجوب الحجّ ما لم تحصل الاستطاعة البدنيّة أيضا « 1 » . هذا ، وقد نوقشت هذه الصيغ بمناقشات عديدة ، تشترك جميعها في بعضها ، وتختصّ الصيغتان الأوليتان ببعضها الآخر . أمّا المناقشات العامّة ، فمنها : 1 - إنّ المستصحب لا بدّ وأن يكون حكما شرعيّا ، أو موضوعا لحكم شرعي ، وعدم الحكم ليس بمجعول شرعي ، ولا موضوعا لحكم شرعي . 2 - إنّ الاستصحاب لو كان من الأمارات وكانت حجّيته من باب حجّيته الظنّ لكان مفاده : الظنّ بعدم التكليف ، ولمّا كان هذا الظنّ حجّة فيمكن نفي احتمال العقاب به . وكذا لو فرضنا الاستصحاب من الأصول المثبتة للأحكام الظاهريّة وقلنا بحجّية مثبتاتها ؛ لأنّ مفاد الأصل حينئذ عدم المنع من الفعل ، ومن لوازمه الرخصة فيه ، وهو لا يجتمع مع احتمال العقاب ، وعليه يكون الاستصحاب دالّا على نفي العقاب إمّا بنفسه أو بلازمه ، ولكنّ كلا المبنيين باطلان . وأمّا إذا فرضنا الاستصحاب من الأصول ولم نلتزم بحجّية مثبتاتها ولوازمها العقليّة - كما هو الصحيح - فلا يدلّ على نفي العقاب والبراءة ؛ لأنّ غاية ما يدلّ عليه هو إثبات عدم المنع ، وأمّا عدم العقاب ، فهو لازم عقلي لا يثبت به حسب الفرض . وأمّا الترخيص الشرعي ، فهو ليس بلازم شرعي للمستصحبات المذكورة أيضا ، بل هو من المقارنات ؛ لأنّ بعد العلم الإجمالي بعدم خلوّ المكلّف عن أحد الأحكام الخمسة ونفي الأربعة لا ينفكّ عن كونه مرخّصا فيه « 1 » . وأمّا المناقشات الخاصّة بالصيغة الأولى فهي : 1 - إنّ البراءة حال الصغر موضوعها الصغير غير القابل للتكليف ، فانسحابها في القابل - وهو الشخص بعد البلوغ - أشبه بالقياس لتبدّل الموضوع ، في حين يشترط بقاؤه في الاستصحاب « 2 » . 2 - إنّ عدم التكليف المحرز حال الصغر إنّما

--> ( 1 ) انظر بحوث في علم الأصول 5 : 67 . 1 انظر فرائد الأصول 2 : 59 - 60 . 2 انظر : فرائد الأصول 2 : 60 ، ومصباح الأصول 2 : 296 .