الشيخ محمد علي الأنصاري
55
الموسوعة الفقهية الميسرة
وما أجمل ما قيل في الإمام عليّ عليه السّلام : « استغناؤه عن الكلّ واحتياج الكلّ إليه دليل إمامته » « 1 » . الطريق الرابع - ما خلّفه أهل البيت عليهم السّلام من التراث العلمي الرفيع : وممّا يدلّ على أعلميّة أهل البيت عليهم السّلام صدور العلوم الإلهيّة بمختلف فروعها وشعبها عنهم ، فما خلّفوه من التراث العلمي في الفقه والتفسير والاعتقاد والأخلاق والسيرة يبهر العقول بالرغم من كلّ التحدّيات التي كانوا يواجهونها من قبل السلطات الحاكمة ، والتي كانت تحذّر العلماء من الاقتراب إليهم والانتهال من علومهم ، وقد تقدّم أن أشرنا إلى ملامح من جهات علومهم « 2 » ، ويكفي للوصول إلى هذه الحقيقة إطلاق عنان حبّ المعرفة والوصول إلى الكمال ، وإلقاء جلباب العصبيّة . إشكال وجواب : ربّما يقال : نحن نسلّم بأعلميّة عليّ بن أبي طالب عليه السّلام على غيره ؛ لما تقدّم ولغيره ممّا ورد في حقّه ، ولكن ما الدليل على أعلميّة سائر أصحاب الكساء غير النبيّ صلّى اللّه عليه واله ؟ فإنّه لم يرد منهم ما يمكن الحكم به بأعلميّتهم . والجواب : أنّ علم الأئمّة عليهم السّلام واحد ؛ لأنّ مصدره ومنبعه واحد - كما سيأتي - فلا فرق بينهم من هذه الجهة في نفس الأمر ، وإذا كان ثمّ اختلاف ، فإنّما هو في عالم الخارج والظهور ، وهو عالم يتأثّر باختلاف الظروف ، فربّما كانت تسمح - هذه الظروف - بإظهار مقدار من علومهم ، وربّما لم تكن تسمح بذلك ؛ لشدّة الضغوط عليهم ، وهذا ما نشاهده بالعيان في حياة الأئمّة عليهم السّلام ، وقد ألمحنا إليه مرارا في مناسبات مختلفة . إذن فأهل البيت عليهم السّلام هم الينبوع الصافي للعلوم الإلهيّة ، فما ذنبهم إذا تقاعست الأمّة عن الرجوع إليهم والانتهال من علومهم ؟ ! وأمّا بالنسبة إلى خصوص الصدّيقة فاطمة الزهراء عليها السّلام ، فمضافا إلى كونها شريكة للأئمّة عليهم السّلام في العلم - كما سيأتي ويكفي للّبيب خطبتها التي ألقتها بمحضر من الصحابة في مسجد الرسول صلّى اللّه عليه واله - أنّها لم تمهل بعد أبيها صلّى اللّه عليه واله ، فقد فارقت الدنيا بعد أشهر يسيرة من وفاته صلّى اللّه عليه واله والهموم بين جنبيها ، فمتى سمح لأن يحضرها طلّاب العلم وروّاده لتظهر لهم ممّا حملته من العلم الإلهي ؟ !
--> ( 1 ) نسب ذلك إلى الخليل الفراهيدي ، ولكنّ الكلام بنفسه يدلّ على المطلوب ، وقد قيل : « انظر إلى ما قيل لا إلى من قال » . والكلام المذكور صادق بالنسبة إلى جميع الأئمّة ، فإنّه لم يحدّثنا التاريخ أنّهم سألوا أحدا في مسألة فقهيّة أو كلاميّة أو تفسيريّة أو غيرها ، بل العكس من ذلك كانوا هم المسؤولين . انظر الأصول العامّة للفقه المقارن : 189 . ( 2 ) يراجع ملحق الأعلام في الجزء الخامس من الموسوعة .