الشيخ محمد علي الأنصاري

56

الموسوعة الفقهية الميسرة

مصادر المعرفة عند الأئمّة عليهم السّلام : مصادر المعرفة عند الإنسان إنّما هي : الحسّ ، والعقل ، والإلهام ، والوحي . فالمصدران الأوّلان يملكهما جميع أفراد الإنسان . وأمّا الإلهام - وهو نوع من أنواع الوحي كما تقدّم في عنوان « إلهام » - فيختصّ به بعض أفراد الإنسان ، وتختلف مرتبته باختلاف مراتبهم . وأمّا الوحي بمعناه الخاصّ ، فيختصّ به الأنبياء ، ثمّ يصل عن طريقهم إلى غيرهم . وكلّما كانت الواسطة بين من نزل عليه الوحي - وهو النبيّ صلّى اللّه عليه واله - وبين من انتقل إليه أقلّ وأوثق ، كانت المعرفة أقرب إلى الحقيقة وأبعد عن الخطأ . وهناك مرتبة أخرى بين الإلهام والوحي بمعناه الاصطلاحي الخاصّ ، وهي مرتبة التحديث ، وفيها يلقي الملك على سمع المحدّث معرفة من دون أن يرى المحدّث شخص الملك . بخلاف الوحي ، فإنّ الموحى إليه قد يرى الملك « 1 » . والوحي بمعناه الخاصّ يختصّ بالنبيّ صلّى اللّه عليه واله بخلاف التحديث ، فإنّه قد يكون غير النبيّ محدّثا . والأئمّة عليهم السّلام بما فيهم أصحاب الكساء قد اكتسبوا علومهم عن الطرق المتقدّمة جميعها ، فهم كأفراد من الإنسان يتمتّعون بقوّة الحسّ وبقدرة العقل بأعلى درجاته ؛ لاقتضاء منصبهم - وهو منصب الإمامة - ذلك ، كما تدلّ عليه ممارساتهم العلميّة في جميع المجالات . وأمّا الإلهام ، فهم أهل له ؛ لما امتازوا به من صفاء النفس وطهارة الباطن ، وهما يهيّئان الأرضيّة الصالحة للإلهام الإلهي . وكذا التحديث ، فهم ليسوا بأقلّ ممّن كانوا محدّثين في الأمم السابقة ولم يكونوا أنبياء ، مثل ذي القرنين ، وصاحب موسى ، وصاحب سليمان « 1 » . وأمّا الوحي ، فقد قلنا : إنّه مختصّ بالأنبياء عليهم السّلام ، لكنّهم أخذوا ما نزل على جدّهم المصطفى صلّى اللّه عليه واله عن طريق أمير المؤمنين عليه السّلام .

--> ( 1 ) انظر مرآة العقول 3 : 137 . 1 قال حمران بن أعين لأبي جعفر عليه السّلام : « ما موضع العلماء ؟ قال : مثل ذي القرنين ، وصاحب سليمان ، وصاحب موسى » ، ومقصوده من العلماء الأئمّة عليهم السّلام . وقال بريد بن معاوية - سائلا أبا جعفر وأبا عبد اللّه عليهما السّلام - : « ما منزلتكم ؟ ومن تشبهون ممّن مضى ؟ قال : صاحب موسى ، وذو القرنين ، كانا عالمين ولم يكونا نبيّين » . أصول الكافي 1 : 268 - 269 ، باب في أنّ الأئمّة بمن يشبّهون ، الحديث 1 و 5 . والمقصود من صاحب موسى هو الذي أشير إليه في قوله تعالى : فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً . الكهف : 65 ، وهو الخضر عليه السّلام على ما قيل . ومن صاحب سليمان هو الذي أشير إليه في قوله تعالى : قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ . النمل : 40 ، وهو آصف بن برخيا . انظر : مجمع البيان ( 5 - 6 ) : 483 ، و ( 7 - 8 ) : 223 ، ومرآة العقول 3 : 156 و 159 .