الشيخ محمد علي الأنصاري
519
الموسوعة الفقهية الميسرة
الصلاة ، فقال أبو جعفر عليه السّلام : فلم أملك حين رأيته بتلك الحال البكاء ، فبكيت رحمة له ، وإذا هو يفكّر ، فالتفت إليّ بعد هنيهة من دخولي ، فقال : يا بنيّ ، أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، فأعطيته ، فقرأ فيها شيئا يسيرا ثمّ تركها من يده تضجّرا ، وقال : من يقوى على عبادة عليّ عليه السّلام ؟ ! » « 1 » . وروي عن حبّة العرني « 2 » ، قال : « بينا أنا ونوف « 3 » نائمين في رحبة القصر « 4 » ، إذ نحن بأمير المؤمنين عليه السّلام في بقيّة من الليل واضعا يده على الحائط شبيه الواله ، وهو يقول : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . . « 1 » قال : ثمّ جعل يقرأ هذه الآيات ويمرّ شبيه الطائر عقله ، فقال لي : أراقد أنت يا حبّة أم رامق « 2 » ؟ قال : قلت : رامق ، هذا أنت تعمل هذا العمل ، فكيف نحن ؟ ! فأرخى عينيه فبكى ، ثمّ قال لي : يا حبّة ، إنّ للّه موقفا ولنا بين يديه موقفا لا يخفى عليه شيء من أعمالنا ، يا حبّة ، إنّ اللّه أقرب إليّ وإليك من حبل الوريد ، يا حبّة ، إنّه لن يحجبني ولا إيّاك عن اللّه شيء . قال : ثمّ قال : أراقد أنت يا نوف ؟ ! قال : قال : لا يا أمير المؤمنين ، ما أنا براقد ، ولقد أطلت بكائي هذه الليلة ، فقال : يا نوف ، إن طال بكاؤك في هذا الليل مخافة من اللّه تعالى قرّت عيناك غدا بين يدي اللّه عزّ وجلّ ، يا نوف ، إنّه ليس من قطرة قطرت من عين رجل من خشية اللّه إلّا أطفأت بحارا من النيران ، يا نوف ، إنّه ليس من رجل أعظم منزلة عند اللّه من رجل بكى من خشية اللّه ، وأحبّ في اللّه ، وأبغض في اللّه ، يا نوف ، إنّه من أحبّ في اللّه لم يستأثر على محبّته ، ومن أبغض في اللّه لم ينل ببغضه خيرا ، عند ذلك استكملتم حقائق الإيمان . ثمّ وعظهما وذكّرهما وقال في أواخره : فكونوا من اللّه على حذر ، فقد أنذرتكما . ثمّ جعل يمرّ وهو يقول : ليت شعري في غفلاتي ، أمعرض أنت عنّي أم ناظر إليّ ؟
--> ( 1 ) الإرشاد 2 : 141 - 142 . ( 2 ) كان من أصحاب الإمام عليّ عليه السّلام ، وقيل : إنّه من رواة الغدير . قاموس الرجال 3 : 75 ، وفي تقريب التهذيب : 1 : 148 ، الترجمة 103 : « صدوق . . . وكان غاليا في التشيّع » ، وفي ميزان الاعتدال 1 : 450 ، الترجمة 1688 : « من الغالين في التشيّع » . ( 3 ) قال ابن أبي الحديد نقلا عن الجوهري في الصحاح : أنّه كان حاجب عليّ عليه السّلام . شرح النهج 10 : 76 ، وفي منتهى المقال 6 : 392 ، نقلا عن تعليقة الوحيد : « يظهر من الأخبار أنّه من خواصّه عليه السّلام ، منها ما في الخصال » . انظر الخصال : 337 ، باب الستّة ، الحديث 40 . وانظر ترجمته في قاموس الرجال 10 : 413 . ( 4 ) الأصل في الرحبة : الفضاء بين أفنية البيوت ، أو القوم ، والمسجد . معجم البلدان 3 : 33 ، مادة « رحب » ، ولعلّ المراد من رحبة القصر : الفضاء الذي كان أمام قصر الإمارة في الكوفة . 1 آل عمران : 190 . 2 رمقته : نظرت إليه .