الشيخ محمد علي الأنصاري
219
الموسوعة الفقهية الميسرة
الإنفاق على الفقراء وبناء الطرق ونحو ذلك ، لكنّ البحث هنا في كثرة العبادة البدنيّة والخروج عن حدّ الاعتدال . الثالث - إنّما الكلام هنا عن الإسراف في العبادة في حدّ ذاته مع غضّ النظر عن استلزامه عنوانا - محرّما أو مكروها - آخر ، كالضرر والحرج ونحوهما ، وإلّا فالحرمة أو الكراهة تكون من تلك الجهة « 1 » . وبعد بيان هذه الأمور الثلاثة نقول : إنّ الشريعة بنت أسسها على الاعتدال والاقتصاد ، فهي ترغّب المسلمين في مراعاة هذه الجهة حتّى في الجانب العبادي ، ولذلك نهى اللّه سبحانه وتعالى نبيّه عن ذلك ، فقال عزّ من قائل : طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى « 2 » ، وورد عن النبيّ وآله عليهم الصلاة والسلام النهي عن التوغّل في العبادة ، فمن جملة ذلك : 1 - ما روي عن أبي جعفر عليه السّلام ، قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله : ألا إنّ لكلّ عبادة شرّة ثمّ تصير إلى فترة ، فمن صارت شرّة عبادته إلى سنّتي فقد اهتدى ، ومن خالف سنّتي ، فقد ضلّ وكان عمله في تباب ، أما إنّي اصلّي وأنام وأصوم وأفطر وأضحك وأبكي ، فمن رغب عن منهاجي وسنّتي فليس منّي » « 1 » . والشرّة - بكسر الشين وتشديد الراء - : شدّة الرغبة « 2 » . والتباب : الخسران والهلاك « 3 » . 2 - وعن أبي جعفر عليه السّلام أيضا قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله : إنّ هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ، ولا تكرهوا عبادة اللّه إلى عباد اللّه ، فتكونوا كالراكب المنبتّ الذي لا سفرا قطع ، ولا ظهرا أبقى » « 4 » . والإيغال : السير الشديد ، يقال : أوغل القوم إذا أمعنوا في سيرهم « 5 » .
--> ( 1 ) قال الشيخ جعفر كاشف الغطاء - عند بيان مشتركات العبادات البدنيّة - : « ومنها أن لا يبلغ في عبادته حدّ الطاقة ولزوم الحرج ، فمتى تجاوز حدّ الوسع فسدت عبادته ، وإذا حصل لها مانع من ضرر معتبر في بدنه ، أو تقيّة ، فعمل معرضا عنه بطل عمله » . كشف الغطاء : 71 . ( 2 ) طه : 1 - 2 ، حيث كان صلّى اللّه عليه واله يصلّي الليل حتّى تورّمت قدماه ، انظر تفسير القمّي 2 : 33 . 1 الكافي 2 : 85 ، باب من دون عنوان ، الحديث الأوّل . 2 قال ابن الأثير : « فيه : " إنّ لهذا القرآن شرّة ، ثمّ إنّ للناس عنه فترة " ، الشرّة : النشاط والرغبة » . النهاية : « شرر » . 3 النهاية ( لابن الأثير ) : « تبب » . 4 الكافي 2 : 86 ، باب الاقتصاد في العبادة ، الحديث الأوّل . 5 قال ابن الأثير : « وفيه : " إنّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق " ، الإيغال : السير الشديد ، يقال : أوغل القوم وتوغّلوا ، إذا أمعنوا في سيرهم ، والوغول : الدخول في الشيء ، . . . يريد : سر فيه برفق ، وأبلغ الغاية القصوى منه بالرفق ، لا على سبيل التهافت والخرق ، ولا تحمل على نفسك ولا تكلّفها ما لا تطيق فتعجز وتترك الدين والعمل » . النهاية : « وغل » .