الشيخ محمد علي الأنصاري
192
الموسوعة الفقهية الميسرة
من قبيل الخروج الموضوعي « 1 » . لكن ربما يكون مقصودهم الخروج الحكمي ، فتكون هذه الموارد من قبيل قولهم : « لا شكّ لكثير الشكّ » حيث يكون نفي الحكم فيها بلسان نفي الموضوع . فإنّ كثير الشكّ شاكّ واقعا ، نعم لا يشمله حكم الشاكّ تسهيلا له ، فيكون حكم الإسراف في هذه الموارد مستثنى من حكم الإسراف بصورة عامّة . ومع ذلك كلّه فقد حدّد الفاضل النراقي الخروج الحكمي ، ولم يلتزم به على إطلاقه . قال بعد ذكر الموارد المتقدّمة : « . . . فليس المراد نفي حرمة الإسراف فيها ، حتّى إنّه لو رشّ أحد فضاء بيته وسطوحه وباب داره بماء الورد ، أو يطلي أبواب بيته وجدرانه بالمسك والعنبر ، ولو كان فقيرا ، جاز ذلك ولم يكن مسرفا ، وكذا إذا أسرج المشاعل في النهار أو نحوه ، وكذا البواقي ، بل المراد : أنّ الإكثار في هذه الأمور مطلوب ، والتجاوز عن الحدّ في الجملة فيها معفوّ ، مع أنّه ورد : " أنّ عدم الإسراف في المأكل لأنّه لا يضيع بل يأكله الآكلون " . ولو سلّم ، فإنّما يكون من باب الاستثناء » « 2 » . وسوف نبحث عن الموارد المتقدّمة كغيرها فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى ، لكن نقتصر هنا على الكلام فيما ورد في بعض الروايات : من أنّه « ليس فيما أصلح البدن إسراف » فهل يجوز الأخذ بالرواية على الإطلاق حتّى فيما عدّه العرف إسرافا ، بمجرّد أنّه نافع للبدن ؟ إذن لا بدّ من تقييد الروايات بما لا يعدّه العرف إسرافا قطعا . هذا مع غضّ النظر عمّا في سند الرواية من الضعف والإرسال « 1 » .
--> ( 1 ) مثل ما ورد في جامع الشرائع : 28 : « والتدلّك بالدقيق ليس بسرف ، إنّما السرف فيما أضرّ بالبدن وأتلف المال » ، وما ورد في الذكرى 1 : 155 : « ويجوز التدلّك في الحمّام بالدقيق . . . ولا سرف فيما ينفع البدن . . . » . ( 2 ) عوائد الأيام : 636 . 1 روى الكليني عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عثمان بن عيسى ، عن إسحاق بن عبد العزيز ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال له : « إنّا نكون في طريق مكّة فنريد الإحرام فنطلي ولا يكون معنا نخالة نتدلّك بها من النورة ، فنتدلّك بالدقيق وقد دخلني من ذلك ما اللّه أعلم به ، قال : أمخافة الإسراف ؟ قلت : نعم ، قال : ليس فيما أصلح البدن إسراف ، إنّي ربما أمرت بالنقيّ فيلتّ بالزيت فأتدلّك به . إنّما الإسراف في ما أفسد المال وأضرّ بالبدن . قلت : فما الإقتار ؟ قال : أكل الخبز والملح وأنت تقدر على غيره ، قلت : فما القصد ؟ قال : الخبز واللحم واللبن والخلّ والسمن ، مرّة هذا ، ومرّة هذا » . الكافي 4 : 53 ، الحديث 10 . أمّا إرسال الرواية ، فمن جهة أنّ إسحاق بن عبد العزيز نقلها عن بعض الأصحاب ولم ينقلها عن الإمام -