الشيخ محمد علي الأنصاري
378
الموسوعة الفقهية الميسرة
إنّ إرادة الباري تعالى قد تعلّقت بصدور الفعل عن الفاعل عن إرادته المسبوقة ببعض مقدّماتها الاختيارية ، ولذلك لو لم يصدر الفعل عن اختيار العبد للزم تخلّف إرادته - تعالى - عمّا تعلّقت به ، وهو صدور الفعل عن الفاعل عن اختيار « 1 » . لكنّه تورّط - بعد ذلك - في شبهة لم يكد يتخلّص منها ، ولا يسعنا - فعلا - التعرّض لها . ثانيا - نظرية المحقّق الإصفهاني : وهي تشبه نظريّة أستاذه من حيث المحتوى وإن افترقت عنه من حيث التدليل والتعبير ، فإنّه قال جوابا عن السؤال الأوّل : إنّ الفعل الاختياري ما كان نفس الفعل - فيه - بالإرادة ، لا ما كان إرادته بالإرادة ، فإنّ القادر المختار من إذا شاء فعل ، لا من إذا شاء شاء ، وإلّا لم يكن فعل اختياريّ في العالم ، حتّى فعله - تعالى عمّا يقول الظالمون - لأنّه لو كانت إرادته تعالى بإرادته ، فيلزم زيادة الثانية على الأولى التي هي متّحدة مع ذاته تعالى « 2 » . وحاصل ما أفاده هو : أنّ الإرادة تتحقّق بمجرّد تحقّق مقدّمات الإرادة ، ولا تتوقّف على إرادة أخرى . وقال جوابا عن السؤال الثاني : إنّ وجوب الفعل بالإرادة يؤكّد إراديّته ، ودعوى لزوم بقاء الإرادة على حال بحيث لو شاء فعل ، ولو لم يشأ لم يفعل فاسدة ؛ لأنّ الإرادة ما لم تبلغ حدّا يستحيل تخلّف المراد عنها لا يمكن وجود الفعل ؛ لأنّ معناه صدور المعلول بلا علّة تامّة ، وإذا بلغت ذلك الحدّ امتنع تخلّفها عنه ، وإلّا لزم تخلّف المعلول عن علّته « 1 » . وقال جوابا عن السؤال الثالث : إنّ الفعل لم تتعلّق به إرادة الباري بما هو هو ، بل به بمبادئه الاختياريّة « 2 » . ثالثا - نظرية المحقّق العراقي : نرى من المناسب أن نذكر نظرية المحقّق العراقي كما ذكرها هو من دون تحليلها لاستخراج أجوبة الأسئلة الثلاثة المتقدّمة ؛ لأنّ في كلماته بعض الإبهامات تمنعنا من ذلك ، وحاصل ما أفاده هو : 1 - إنّ من الممكن أن تكون صفة الاختيار من لوازم وجود الإنسان ، بحيث لا يحتاج في جعله إلى أزيد من جعل الإنسان نفسه - كالحرارة بالنسبة إلى النار - بخلاف العلم والقدرة ؛ فإنّهما غير مجعولين فيه بنفس جعله ، بل هما بحاجة إلى جعل آخر مستقلّ . 2 - إنّ صفة الاختيار تغاير صفة الإرادة ، بل يمكن أن نعدّ الاختيار من مبادئ الإرادة ، فتكون للعمل الصادر عن إرادة ، مبادئ متعدّدة ، منها : كونه ممّا تعلّق به الاختيار .
--> ( 1 ) انظر كفاية الأصول : 67 - 68 ( مباحث الأمر ) ، و 260 - 261 ( مباحث التجرّي ) . ( 2 ) نهاية الدراية 1 : 288 . 1 المصدر نفسه : 284 . 2 المصدر نفسه : 284 .