الشيخ محمد علي الأنصاري
408
أهل البيت ( ع ) امامتهم حياتهم
فقالوا : إنّه صبيٌّ لا معرفة له ولا فقه ، فأمهله ليتأدّب ويتفقّه في الدين . فقال لهم : ويحكم إنّني أعرَف بهذا الفتى منكم ، وإنّ هذا من أهل بيتٍ علمهم من اللّه وموادِّه وإلهامه ، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والأدب عن الرعايا الناقصة عن حدّ الكمال ، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبيّن لكم به ما وصفت من حاله . فاختاروا يحيى بن أكثم - وكان قاضي القضاة - على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها ، ووعدوه بأموال نفيسة على ذلك . فاجتمعوا في اليوم الذي اتّفقوا عليه ، وحضر معهم يحيى بن أكثم . فخرج أبو جعفر عليه السلام وجلس في الموضع الذي اعدّ له ، وجلس يحيى بن أكثم بين يديه . فاستأذن يحيى المأمون في المسألة ، فأمره أن يستأذن أبا جعفر عليه السلام . فأقبل يحيى على أبي جعفر عليه السلام وقال : أتأذن لي - جعلت فداك - في مسألة . فقال له أبو جعفر عليه السلام : سل إن شئت . قال يحيى : ما تقول - جعلت فداك - في محرِم قتل صيداً ؟ فقال له أبو جعفر : قتله في حلّ أو حرم ؟ عالماً كان المحرم أم جاهلًا ؟ قتله عمداً أو خطأً ؟ حُرّاً كان المحرم أم عبداً ؟ صغيراً كان أم كبيراً ؟ مبتدئاً بالقتل أم معيداً ؟ من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها ؟ من صغار الصيد كان أم كبارها ؟ مصرّاً على ما فعل أو نادماً ؟ في الليل كان قتله للصيد أم نهاراً ؟ محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحجّ كان محرماً ؟ فتحيّر يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع ، ولجلج حتّى عرف جماعة أهل المجلس أمره ، فقال المأمون : الحمد للّه على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي ، ثمّ نظر إلى أهل بيته وقال لهم : أعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه ؟ !