السيد كمال الحيدري
285
في ظلال العقيده والاخلاق
ولازم ذلك أنّ عامل السوء بجهالة لا يقيم عاكفاً على طريقته ملازماً لها مدى حياته من غير رجاء في عدوله إلى التقوى والعمل الصالح ، كما يدوم عليه المعاند اللجوج ، بل يرجع عن عمله من قريب ، فيكون المراد بالقريب ، العهد القريب أو الزمان القريب وهو قبل ظهور آيات الآخرة وقدوم الموت . وعلى هذا يكون قوله : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ كناية عن المساهلة المفضية إلى فوت الفرصة . وإنّما سمّى تعالى هذه المدّة إلى ما قبل الموت قريبة ؛ لوجوه : إنّ الأجل آت ، وكلّ ما هو آت قريب . للتنبيه على أنّ مدّة عمر الإنسان وإن طالت فهي قليلة قريبة ، فإنّها محفوفة بطرفى الأزل والأبد ، فإذا قسمت عمرك إلى ما على طرفيها صار كالعدم . إنّ الإنسان يتوقّع في كلّ لحظة نزول الموت به ، وما هذا حاله فإنّه يوصف بالقرب . يتبيّن ممّا مرّ أنّ الشرطين جميعاً - أعنى قوله : « بجهالة » وقوله : « من قريب » - احترازيان ، يراد بالأوّل منهما أن لا يعمل السوء عن عناد واستعلاء على الله ، وبالثاني منهما أن لا يؤخّر الإنسان التوبة إلى حضور موته كسلًا وتوانياً ومماطلة ؛ إذ التوبة هي رجوع العبد إلى الله سبحانه بالعبودية ، فيكون توبته تعالى أيضاً قبول هذا الرجوع ، ولا