الشيخ سليمان ظاهر

221

تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني

في اليوم الثالث ، ويبسطون ألسنتهم فتضيع المنة وتحصل الجرأة ونكون إلى الخسارة أقرب منا إلى الربح . وهذا من الحزم ومن حكم التدبير ومن أسباب انتظام أمور الدولة فإن التفريط يجر إلى التفريط واحتجان المال وقبضه ولو قبضا يسيرا عن الذين هم مادة الدولة ومكان القوة منها . والذين إنما يخلصون الطاعة ويقومون بالأعمال المسندة إليهم بإسناء العطاء وبقبض الراتب المقنن لهم وإنما يصطنع الرجال بالمال وتستخلص منهم الطاعة ببذله في وقت الحاجة إليه ، وقد دلت التجارب والاختبار أن حجب المال ولو إلى حين عن الباذلين راحتهم بل وأرواحهم في سبيل الدولة وصاحب الدولة كثيرا ما أدى إلى اضطراب أمور الدولة والقابضين على زمامها وتلك سياسة رشيدة ويقظة عضدية قل نظيرها في الملوك والأمراء . وكان لا يعول في الأمور إلا على الكفاة ، ولا يجعل للشفاعات طريقا إلى معارضة من ليس من جنس الشافع ولا فيما يتعلق به . حكي عنه أن مقدم جيشه أسفار بن كردويه شفع في بعض أبناء العدول ليتقدم إلى القاضي ليسمع تزكيته ويعدله . فقال : ليس هذا من أشغالك إنما الذي يتعلق بك الخطاب في زيادة قائد ونقل مرتبة جندي وما يتعلق بهم ، وأما الشهادة وقبولها فهي إلى القاضي وليس لنا ولا لك الكلام فيه . ومتى عرف القضاة من إنسان ما يجوز معه قبول شهادته فعلوا ذلك بغير شفاعة . وهذا منه كسابقه في وضع الأمور موضعها وفي منع التدخل بمصلحة من مصالح الدولة ممن ليست تلك المصلحة من اختصاصه ، وفي سد باب التأثير على صاحب عمل من أعمال الدولة ممن ليس له شيء من المشاركة في ذلك العمل . ثم فيه وراء ذلك كله استقلال القضاة بقضائهم والقضاء هو ميزان العدل في الدولة وهو مظهر العدل كله وفيه إحقاق الحق وإزهاق الباطل ، فهل يرجع إلى هذه الحكمة العالية القابضون على أعمال الدولة في هذه الأيام والذين يتدخل كل عامل منهم في أعمال من لا اختصاص له فيها بأنواع الشفاعات ، فيقبل ذلك التدخل وتلك الشفاعات من غير تأثم ولا تحرج ؟ ؟