الشيخ سليمان ظاهر
215
تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني
( 1 ) تضييقه على الخليفة ورفع يده عن كل شيء من أمور الخلافة بله الدولة ، ولكن من يعلم ما منيت به الخلافة من تزاحم العباسيين أنفسهم على ما لها من سلطان ضئيل ورسوم هزيلة وأبهة وهمية ، وتزاحم كل طامع بالاستيلاء على قوة الخلافة والدولة على اصطناع من يرفعه بسعيه وقوته إليها ، يعلم أن معز الدولة لم يكن يستطيع أن يخرج عن هذه الخطة المتبعة التي كانت نتيجة طبيعية لسياسات المتغلبين عليها منذ عهد المعتصم ، ومن بعده إلى خليفة عصره . والخلفاء العباسيون أنفسهم أقروا هذه الأمور على ما آلت إليه من الأوضاع مكرهين لا طائعين ومجبرين لا مخيرين ، فلا مندوحة له إذا إلا أن يسير على الخطة التي سار عليها غيره . ( 2 ) ومما يؤاخذ به ما نقل عنه من أمره لكتابة سب السلف على المساجد في بغداد ، وإنني لأستبعد أن يصدر منه مثل هذا العمل وهو من ضرورة مذهب الإمامية وهو منهم أن يعلنوا مثل هذا السب بمثل الصورة التي نقلها المؤرخون ، أو أنهم يستحلونه وما كان أئمة أهل البيت وهم متبوعو الإمامية ممن أثر عنهم مثل ذلك ، فأية خدمة للمذهب يرمي إليها من وراء هذا العمل وهب أن مثل هذا من المشروع فهل من العقل والسياسة أن يعمد معز الدولة إلى مثل هذا العمل ، فيسيء إلى جمهرة كبيرة من المسلمين ، وهو يطمع في ولاية أمرهم وإلى الخليفة نفسه ، وهو من السنة مهما بلغت حاله من التجريد من كل قوة . وهل كان معز الدولة ينهج غير منهج أخيه الأكبر عماد الدولة ، فقد مرّ بك من أخباره مع الغزاة الخراسانيين الذين دخلوا بلده همذان معلنين سبّ الروافض يقتلون الشيعة ويسلبونهم ويستحلون منهم كل محرم . فهل جازاهم بشيء من سنخ عملهم بل عاملهم بكل رفق وردهم بعد ظفره بهم وأسره لهم إلى بلادهم مزودين بالنفقات . وهل كان وزيره المهلبي الأمين يرضى له أو لنفسه ارتكاب مثل هذا الأمر الذي ليس هو من الحكمة والسياسة في شيء ولا مما دعا إليه المذهب . وكأن ابن خلدون وهو لم يكن رفيقا بالشيعة قد استبعد وقوع ذلك من معز الدولة حيث ذكر هذا الحادث معقبا له بقوله : ونسب ذلك إلى معز الدولة . ومن يعلم ما كان يحوكه الطامعون في الملك والولايات حول الخلافة وحول القابضين على كل ما لها من نفوذ وسلطان من الدسائس ، لا يستبعد أن يكون قد صدر ذلك منهم وبتدبيرهم إلقاء للفتنة