حسن ابراهيم حسن

648

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

عن الخليفة الفاطمي الحاكم أنه برغم شغفه بأن تكون مواكبه في غاية الأبهة ، رأى أن ينيب وزيره في صلاة الجمعة ، لأنه كان يرتج عليه في الخطبة أحيانا . وكانت الخطبة التي يلقيها الخليفة الفاطمي قصيرة وتشتمل على آية من القرآن . وكان الخليفة يذكر نفسه وأهل بيته بعبارة موجزة ، ويتلو قوله تعالى في سورة النمل ( 27 : 19 ) « رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ » . ثم يدعو الخليفة لأبيه وجده ، ولمحمد عليه أفضل الصلاة والسلام ، ولعلى كرم اللّه وجهه ، ولأسلافه الخلفاء ، وأخيرا يدعو لنفسه فيقول : اللهم أنا عبدك وابن عبدك ، لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ، « وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ ، إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » ( سورة الأعراف 7 ، 188 ) . وكان الخليفة بختم خطبته بالدعاء للوزير وبنصر الجيش وخذلان الكفار والمشركين . فإذا فرغ من خطبته قال : أذكروا اللّه يذكركم . ثم يصعد الوزير فيحل السترين ، ويظل هو وقاضى القضاة على الباب ، ويقوم الأستاذون المحنكون وكبار الموظفين العسكريين والمدنيين بحراسة المقصورة . بعد ذلك يبدأ الخليفة الصلاة ، فيبلغ عنه الوزير ، ثم قاضى القضاة ثم المؤذنون . فإذا انتهت الصلاة خلا الجامع من الناس ، وخرج الخليفة ، والوزير عن يمينه وقاضى القضاة وداعى الدعاة « 1 » عن يساره ، ويحيط به حرسه الخاص ، ويعود بموكبه على النحو الذي سار عليه في ذهابه إلى الجامع « 2 » . فإذا انتهت الصلاة استراح الخليفة في الجامع بقدر ما توزع الهبات . فكان يعطى للنائب في الخطابة ثلاثة دنانير ، وللنائب في الصلوات الخمس ثلاثة دنانير ، وللمؤذنين أربعة دنانير ، وللمشرف على خزانة الفرش وفراشها ومتوليها لكل منهم ثلاثة دنانير ، ولصبيان بيت المال ديناران . وقد خصصت رسوم للقراء ، وتعم الصدقات الناس من وقت خروج الخليفة من القصر إلى الجامع حتى يعود « 3 » .

--> ( 1 ) كان داعى الدعاة يتبع قاضى القضاة . ( 2 ) القلقشندي : ج 3 ص 509 - 512 . ( 3 ) أبو المحاسن : ( طبعة القاهرة ) ج 2 ص 102 - 104 .