حسن ابراهيم حسن
604
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
وكان الاستحمام بالماء الحار « 1 » شائعا عند العرب في صدر الإسلام ، وربما أخذوه عن أهالي البلاد التي فتحوها ولا سيما في سورية ومصر . وقد رحب المسلمون بهذه العادة لأنها جزء من الطهارة التي هي باب الصلاة وشرط لكثير من العبادات . على أن بعض المسلمين قد امتنعوا أول الأمر عن دخول الحمامات التي قامت في مداخلها التماثيل وزينت جدرانها بالصور التي تنم عن الكبرياء والجبروت . ومع ذلك فقد بقيت هذه التماثيل عدة قرون . ويشبه تصميم بناء الحمام عند العرب حمامات رومة إلى حد كبير ، فنجد في داخل الحمام غرفة رطبة الجو بها مساطب حجرية مغطاة بحشيات أو سجاجيد لجلوس صاحب الحمام ( المعلم ) خلف عارضة تعلوها أقداح القهوة ، ثم تأتى غرفة ثانية مدفأة لخلع الثياب والاستراحة في الشتاء ، وتتوسط الغرفة الباردة وغرفة « الحرارة » التي يتصبب فيها الإنسان عرقا ، وتحاط بغرف فرعية صغيرة يجد فيها المستحم الماء الحار والبارد ، وتجد فيها موظفا يقوم بتدليك وغسل المستحم بالصابون في « الحرارة » أي في إحدى الغرف الصغيرة ، وعندما يمر المستحم بالغرفة المتوسطة يظل فيها للاستراحة في الشتاء . وإذا كان الفصل صيفا ذهب المستحم رأسا إلى الغرفة الباردة ( المسلخ . وقد أولع بعض السيدات باستئجار حمام خاص بعد الظهر حيث يقمن مع قريباتهن وصديقاتهن حفلات في مناسبات الزواج أو الأعياد . وقد يستأجر الرجال حمامات خاصة في مناسبات الزواج . أما الأغنياء فيبنون حمامات خاصة بدورهم « 2 » . ويستفاد مما كتبه يحيى بن سعيد الأنطاكي المتوفى سنة 458 ه ( 1066 م ) أنه كانت هناك في العصر الفاطمي حمامات خاصة بالمسلمين وأخرى باليهود وثالثة بالنصارى ، وأن الخليفة الحاكم الفاطمي حرم أن يدخل أحد الحمام بدون إزار ؛ ثم عاد فحرم على النساء دخول الحمامات العامة « 3 » . وكان تجار مصر في عهد الفاطميين يجلبون العطور التي توزع على الحمامات في كل يوم جمعة ، كما يوزع الطيب على قصور الأمراء والوزراء وغيرهم من
--> ( 1 ) الحمام والحميم والحمية جميعا : الماء الحار ( والحمية أيضا المخض إذا سخن ) والحمية هو الماء الحار لغة ، وجمعها حمامات ، والحميم العرق ، واستحم الرجل : عرق : وقولهم لمن دخل الحمام : طاب حميمك يعنون بذلك العرق أي طاب عرقك ، وإذا دعوا له بطيب العرق فقد دعوا له بالصحة لأن الصحيح يطيب عرقه . ( 2 ) ديمومبين : النظم الإسلامية ، ترجمة ص 227 . ( 3 ) يحيى بن سعيد : صلة تاريخ أوتيخا ص 187 و 208 .