حسن ابراهيم حسن
601
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
مراكش إلى الأندلس ، لبعد الشّقة بينهما . لذلك فكر يعقوب المنصور وأبوه يوسف بن عبد المؤمن من قبله في بناء مدينة على ساحل البحر يستطيع أن يقضى فيها فصل الصيف مع جيوشه . وقد أشار عليه بعض رجال بلاطه بأن يتخذ مدينة سبتة معسكرا لجنده . ولكن يعقوب المنصور رأى أن إقليم سبته يقصر عن تزويد جنده ورجال بلاطه وخدمه بما يحتاج إليه من أقوات مدة ثلاثة أو أربعة أشهر في السنة ، لعدم خصوبة أرض هذا الإقليم ، ولأنه لا يتسع لسكنى هؤلاء الجند والخدم ورجال البلاط . لذلك استقر الرأي على اختيار موقع الرباط . وقد بدأ يوسف البناء وأتمه ابنه يعقوب المنصور في بضعة أشهر ، وذلك سنة 593 ه ( 1196 - 1197 م ) على أثر انتصاره في موقعة الأرك المشهورة . وقد بنيت في هذه المدينة المساجد والمدارس والقصور والدور والحوانيت . وفي خارج سوق المدينة من ناحية الجنوب أقام يعقوب المنصور منارة تشبه منارة جامع الكتبة بمدينة مراكش ، ولكنها أعظم منها ، وجعل حيا خاصا لكل جماعة من السكان ، كالصناع والتجار والأدباء وغيرهم . وسرعان ما ازدهرت مدينة الرباط وأصبحت من أغنى مدن القارة الإفريقية ، وساعد على ذلك حسن موقعها ورواج تجارتها بسبب سكنى الجند والخدم ورجال البلاط . وكان يعقوب المنصور يقيم فيها بين شهري إبريل وسبتمبر . على أن يلاحظ أن ماء وادى ( نهر ) أبى الرقاق ( بفتح الراء مع التشديد وسكون القاف ) الذي يصب في البحر عند مدينة الرباط يتصف بملوحة مائه . لذلك فكر يعقوب المنصور في جلب الماء من مكان يبعد عن المدينة بإثنى عشر ميلا بواسطة قنطره حسنة البناء مقامة على أعمدة ، تشبه القناطر التي كانت مستعملة في بلاد الدولة البيزنطية . ويخرج من هذه القنطرة فروع كثيرة تجلب الماء إلى جميع أحياء المدينة « 1 » . ويقول المراكشي « 2 » إن طول سورة مدينة الرباط ( يشبه سورة مدينة مراكش ) بلغ في مبدأ أمره نحوا من فرسخ وعرضه أقل من ذلك بكثير . وقد اتسعت رقعة المدينة ، وألحقت بها أحياء كثيرة ، مثل حي يعقوب المنصور وحي أجدال وغيرهما . وأصبحت الرباط حاضرة رسمية لبلاد المغرب الأقصى منذ سنة 1912 .
--> ( 1 ) الحسن الوزان ( ليو الإفريقى ) « وصف إفريقية » بالفرنسية ) ج 1 ص 164 - 166 . ( 2 ) المعجب ص 266 .