حسن ابراهيم حسن
537
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
( ب ) ابن باجة ( ت 335 / 1138 ) . كانت الأندلس في نهاية القرن الخامس الهجري قد انقسمت إلى عدة ممالك صغيرة عرف حكامها بملوك الطوائف ، وكان نصارى الشمال يهددون هذه الممالك حتى جاء المرابطون وقضوا على هؤلاء الملوك الذين انغمسوا في الترف ، « ولاح إذ ذاك أن زمن الثقافة الرفيعة والبحث الحر قد انقضى » كما يقول دى بور « 1 » ، ولم يجرؤ على الظهور إلا رجال الدين ولا سيما وجال الحديث ، أما الفلاسفة فقد كانوا عرضة للاضطهاد أو القتل . ويؤيد هذه الحقيقة إحراق كتاب « إحياء علوم الدين » للإمام أبى حامد الغزالي بأمر أمير المسلمين المرابطى علي بن يوسف بن تاشفين . على أنه برغم هذا نرى الأمير المرابطى أبا بكر بن إبراهيم ( صهر السلطان علي بن يوسف المراطبى ) ، وكان يلي ولاية سرقسطة ، يتخذ أبا بكر بن باجة السّرقسطى جليسا له ثم يقلده الوزارة . ولكن هذا قد أثار غضب الجند والفقهاء ، وكان بين ابن باجة وبين الفتح بن خاقان عداوة راسخة ، مما حمل ابن خاقان على هجاء ابن باجة في كتابه « قلائد العقيان » « 2 » فقد جعل ابن خاقان ترجمة ابن باجة آخر تراجم كتابه وقال فيه ما نصه : « الأديب أبو بكر بن الصائغ هو رمد عين الدين وكمد نفوس المهتدين ، اشتهر سخفا وجنونا وهجر مفروضا ومسنونا » « 3 » . فما يتشرّع « 4 » ولا يأخذ في غير الأضاليل . ولا يشرع ، ناهيك من رجل ما تطهّر من جنابة ولا أظهر مخيلة إنابة « 5 » ولا استنجى من حدث ، ولا أشجى فؤاده بتوار في جدث « 6 » ، ولا أقرّ بباريه ومصوّره ، ولا قرّ بتياريه « 7 » في ميدان تهوره « 8 » . والإساءة إليه أجدى من الإحسان ، والبهيمة عنده أهدى من الإنسان . نظر في تلك التعاليم ( يقصد الفلسفة ) وفكّر في أجرام
--> ( 1 ) تاريخ الفلسفة في الإسلام ، ترجمة أبى ريدة ( الطبعة الثانية ) ص 366 . ( 2 ) طبعة بولاق 1283 ه . انظر ص 300 - 306 . ( 3 ) أي أنه هجر الشريعة الإسلامية وما تشتمل عليه من فروض وسنن . ( 4 ) أي لا يأخذ بالشريعة الغراء . ( 5 ) أي أنه ما أظهر ميلا للإنابة أو التوبة إلى اللّه . ( 6 ) أشجى أي حزن والتوار الاختفاء والجدت القبر . ( 7 ) أي بتسابقه . ( 8 ) يعنى أنه كان متهورا في الدين ولم يعترف بتهوره .