حسن ابراهيم حسن
538
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
الأفلاك وحدود الأقاليم ورفض كتاب اللّه الحكيم العليم ، ونبذه وراء ظهره ، ثاني عطفه « 1 » وأراد إبطال ما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه « 2 » . واقتصر على الهيئة « 3 » ، وأنكر أن تكون منه إلى اللّه تعالى فيئة « 4 » ، وحكم للكواكب بالتدبير واجترم على اللّه اللطيف الخبير ، واجترأ عند سماع النهى والإيعاد « 5 » ، واستهزأ بقوله تعالى ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ ) « 6 » . وهذا يدل على مدى كراهية الفقهاء للفلاسفة وتشنيعهم بهم وتقبيحهم لآرائهم كما يدل أيضا على مدى كراهية هذا العصر للفلاسفة واضطهادهم . لا يعرف الكثير عن حياة ابن باجة الأول . قيل ولد سنة 513 ه ( 1118 م ) حيث عاش بسرقسطة وألف فيها كثيرا من كتبه . ثم رحل إلى غرناطة وقدم على بلاط المرابطين في فاس حيث مات مسموما يتدبير أحد حساده . ويذكر المقرى « 7 » عن الأمير ركن الدين بيبرس في كتابه « زبدة الفكر في تاريخ الهجرة » أن ابن باجه « كان عالما فاضلا له تصانيف في الرياضيات والمنطق ، وأنه وزر لأبى بكر الصحراوى ( يعنى المرابطى ) صاحب سرقسطة ، ووزر أيضا ليحيى بن يوسف بن تاشفين عشرين سنة بالمغرب ، وأن سيرته كانت حسنة ، فصلحت به الأحوال ونجحت على يديه الآمال ، فحسده الأطباء والكتاب وغيرهم وكادوه فقتلوه مسموما » « 8 » . ويكاد ابن باجة يقتفى أثر فيلسوف المشرق الفارابي ، فأحب العزلة مثله وضاق ذرعا بالحياة ، ولم يحاول كالفارابى أن يضع له مذهبا . ورسائله المبتكرة قليلة ، ومعظمها شروح قصيرة لكتب أرسطو وغيرها من مصنفات الفلاسفة « 9 » وبعضهم يرى أن ابن باجة من هواة الفلسفة لا من الفلاسفة . ويكاد ابن باجة يتفق مع الفارابي في الطبيعة وفيما وراء الطبيعة . وكلاهما متأثر بآراء أرسطو ( المعلم الأول ) . ومن أمثلة آراء ابن باجة الفلسفية « أن
--> ( 1 ) يعنى الملتوى سخرية من الناس وضيقا بهم . ( 2 ) أي أنه يريد إبطال كتاب اللّه . ( 3 ) أي أنه يؤمن بالطبيعة . ( 4 ) أي أنه رجع إلى اللّه ( 5 ) يعنى يوم الحساب . ( 6 ) المقرى : نفح الطيب ج 9 ص 230 - 231 . ( 7 ) نفح الطيب ج 9 ص 240 . ( 8 ) القفطي : طبقات الأطباء ج 2 ص 63 - 64 . دى بور ص 367 . ( 9 ) المصدر نفسه .