حسن ابراهيم حسن

507

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

مضغة « 1 » فقطفت أجوب طرقانها مثل الهائم وأجول في حرماتها جولان الحائم « 2 » ، وأرود في مسارح لمحاتى ومسايح غدواتى وروحاتى ، كريما أخلق له ديباجتى « 3 » وأبوح إليه بحاجتي ، أو أديبا تفرج رؤيته غمّتى « 4 » وتروى روايته غلتي « 5 » حتى أدتنى خاتمة المطاف وهدتنى فاتحة الألطاف إلى ناد رحيب . . . فرأيت في بهرة « 6 » الحلقة شخصا شخت « 7 » الخلقة . . . يطبع الأسجاع بجواهر لفظه ويقرع الأسماع بزواجر وعظه . وقد أحاطت به أخلاط الزمر إحاطة الهالة بالقمر والأكمام بالثمر « 8 » ، فدامت إليه لأقتبس من فوائده وألتقط بعض فرائده ، فسمعته يقول حين خب في مجاله وهدرت شقائق ارتجاله ، أيها السادر في غلوائه السادل ثوب خيلائه « 9 » . . . « 10 » » . من ذلك نرى الحريري التزم السجع والمحسنات البديعية الأخرى ولا سيما الجناس وأنه يتصرف في اللغة تصرف الغنى بثروته اللغوية المدرك لبراعة الكلام . والمقامة تدور حول الاتعاظ بشخصية أبى زيد السروجى الذي اتشح بالفقر وتزين بالأدب . فكان أدبه أبهى اجمالا من ثروة أغنياء المال . ثم إن الحارث بن همام ( وهو الحريري ) أعجب بهذا الشخص الذي يفيض أدبا وبلاغة وجلس يستمع إلى نصائحه الغالية وحكمه البارعة . وإن دل هذا على شئ فإنما يدل على سعة اطلاع الحريري وامتلاكه ناصية الكلام والثقافة في عصره . وهناك مقامات أخرى « 11 » يطول بنا المقام إذا تصدينا لدراستها ، وهي حرية بالدراسة الأدبية المتخصصة .

--> ( 1 ) المضغة هي ما يمضغ . ( 2 ) الحائم هو الطائر الذي يحوم ليرى ماء يشربه . ( 3 ) أي أبذل وجهي . ( 4 ) الغمة ما على القلب من الأسى والغم . ( 5 ) الغلة شدة العطش . ( 6 ) البهرة وسط الحلقة . ( 7 ) الشخت هو الدقيق التحيل . ( 8 ) الأكمام جمع كن وهو وعاء التمر . ( 9 ) سدل الثوب أرخاه والخيلاء الكبر . ( 10 ) مقامات الحريري ص 10 - 16 . ( 11 ) من هذه المقامات المقامة الحادية عشرة الساوية ( مقامات الحريري ص 97 - 106 ) والمقامة الثانية عشرة الد ؟ ؟ ؟ ( ص 106 - 119 ) والمقامة الثالثة عشرة البغدادية ( ص 120 - 128 ) -