حسن ابراهيم حسن

506

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

فصل إن شئت فيها من يصلّى * وإمّا شئت فادن من الدّنان « 1 » ودونك صحبة الأكياس فيها * أو الكاسات منطلق العنان « 2 » من ذلك نرى أن الحريري غنى بمادته اللغوية ، إذ استعمل كثيرا من الألفاظ اللغوية التي تحتاج إلى تفسير . كما نرى أنه يقول الشعر عن طبع وموهبة متصرفا في شعره تصرف الواثق من نفسه ، لغزارة أدبه وسعة اطلاعه وعلو باعه . ونراه أيضا قد التزم السجع التزاما ، وأكثر من المحسنات البديعة الأخرى ، ولا سيما الجناس الذي كان يقوله تاما وناقصا . فمن التام قوله بآيات المثاني ورنات المثاني في البيت الثاني ، إذ يقصد بالمثانى الأولى آيات القرآن الكريم وبالمثانى الثانية رنات أو تار العود . واللفظان متفقان في الشكل وعدد الحروف وترتيبها ، فهو من الجناس التام ، ومن الجناس الناقص قوله في البيت الثالث تلخيص المعاني وتخليص عانى . فبين كلمتي تلخيص وتخليص جناس ناقص وبين كلمتي المعاني وعانى جناس ناقص أيضا . وقد أنشأ الحريري مقامته الصنعانية في صنعها حاضرة اليمن التي يعتقد أنها أول بلدة صنعت بعد طوفان نوح عليه السلام . وجعل هذه المقامة الأولى ، وكان بطلها أيضا أبا زيد السروجى الذي سماه سراج الغرباء وتاج الأدباء ، ولم يستطع الحارث بن همام ( وهو الحريري ) أن يكلم السروجى إجلالا له واحتراما ، فسأل عنه تلميذه قائلا : « عزمت عليك بمن تستدفع به الأذى لتخبرني من ذا ، فقال هذا أبو زيد السروجى » . قال الحريري في هذه المقامة : حدث الحارث بن همام قال : لما اقتعدت غارب « 3 » الاغتراب وأنأتنى المتربة « 4 » عن الأتراب « 5 » ، فوّحت بي طوائح الزمن إلى صنعاء اليمن . فدخلتها خاوى الوفاض « 6 » بادي الإنفاض « 7 » ، لا أملك بلغة « 8 » ولا أجد في جرابى

--> ( 1 ) يعنى أنك مخير بين أن تجلس مع العباد المصلين أو مع أهل السكر الغاوين . ( 2 ) مقامات الحريري ص 557 - 559 . ( 3 ) غارب كل شئ أعلاه ويريد أنه تغرب عن الوطن . ( 4 ) المتربة الفقر . ( 5 ) جمع ترب وهو أمثال الشخص . ( 6 ) أي فارغ الوفاض والوفاض هو الشئ الذي يضع فيه الإنسان زاده . ( 7 ) الإنفاض هو فناء المال والزاد يزيد ظاهر الفقر . ( 8 ) البلغة ما يتبلغ به من العيش وهو اليسير من الزاد .