حسن ابراهيم حسن

460

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

وهذه الآيات المتشابهات كانت متار جدل عنيف بين علماء المسلمين ، ولا سيما بين السلفيين وعلماء الكلام . وقد وقف السلفيون ومن سار على نهجهم موقف الحياد التام إزاء الآيات المتشابهات ، فلم يستمح لهم ورعهم بأن يعمدوا إلى تأويلها ، بل سلكوا سبيل الحذر ، وحملهم على ذلك أمران : أحدهما ظاهره المنع الوارد في القرآن الكريم ، إذ يقول اللّه جل شأنه مخاطبا نبيه الكريم . « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ ، هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ . رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ » « 1 » . فالسلفيون قد تركوا أمر تأويل هذه الآيات إلى اللّه إذ لا يعلم تأويلها إلا هو حسب النص القرآني ، وآمنوا بهذه المتشابهات من غير بحث . قائلين ، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا . والأمر الثاني : - أن التأويل أمر مظنون فيه بالاتفاق ، والقول في ذات اللّه سبحانه وتعالى بالظن غير جائز . والكلاميون لا يعتبرون التأويل ظنا ، بل يؤمنون بما يرونه من تأويل . هذا إلى أن التأويل المظنون ليس من شرائط الإيمان وأركانه « 2 » . ومن أبرز رجال المدرسة الفلسفية الإمام مالك ، والإمام الشافعي والإمام أحمد ابن حنبل رضى اللّه عنهم . يقول الشهرستاني في الإمام مالك : « أما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل ، ولا تهدفوا التشبيه ، فمنهم مالك بن أنس رضى اللّه عنه إذ قال في تفسير قوله تعالى ( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ) : « الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة » . كما ذكر الشهرستاني من رجال هذه المدرسة السلفية أحمد بن حنبل وداود الظاهري

--> ( 1 ) سورة آل عمران ( 3 : 7 - 8 ) . ( 2 ) الشهرستاني : الملل والنحل ( ج 1 ص 137 - 138 ) .