حسن ابراهيم حسن

378

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

وقد أصبح في كل ولاية قضاة يمثلون المذاهب المختلفة وينظر كل منهم في النزاع الذي يقوم بين من يدينون بعقائد مذهبه . وقد عرف بعض قضاة هذا العصر بالعدل والنزاهة والزهد وتحرى الدقة في الحكم ، ومن أحسن الأمثلة التي تؤيد هذا الرأي : أبو بكر محمد بن المظفر الشامي . فقد أثر عنه أنه لم يأخذ أجرا في أثناء تقلده منصب القضاء ، كما عرف بالعدل ولم يحاب أحدا من المتقاضين ؛ فقد ذكر ابن الأثير « 1 » عند كلامه على حوادث سنة 488 ه ( التي مات فيها هذا القاضي ) أن أحد الأتراك شكا إليه رجلا فقال له القاضي : ألك بينة ؟ قال : نعم ! فلان والمشطب الفقيه الفرغاني ، فقال : لا أقبل شهادة المشطب لأنه يلبس الحرير ، فقال التركي : فالسلطان ونظام الملك يلبسان الحرير ، فقال : لو شهدوا عندي على باقة بقل لا أقبل شهادتهما . وكان لقاضي القضاة ببغداد ديوان يعرف بديوان قاضى القضاة ، ومن أشهر موظفى هذا الديوان : الكاتب والحاجب وعارض الأحكام وخازن ديوان الحكم وأعوانه . وقد اقتضى تطور نظام القضاء في هذا العصر التحري عن الشهود . وكان القاضي يرتدى السواد شعار العباسيين ويغطى رأسه بعمامة سوداء على قلنسوة طويلة « 2 » . ( ب ) القضاء في عهد الفاطميين والأيوبيين : وقد ضعف نفوذ القاضي السنى بعد الفتح الفاطمي وألزم بأن يصدر أحكامه وفق عقائد المذهب الشيعي ، بل أشرك معه قاض مغربى للنظر في المظالم الخاصة بالمغاربة . وما لبثت سلطته أن قويت حتى أصبح ينظر أيضا في القضايا المشتركة بينهم وبين المصريين . ثم زاد نفوذه حتى آل إليه النظر في قضايا المصريين أنفسهم ، وأصبح يطلق عليه اسم قاضى مصر والإسكندرية ، ثم استقل الشيعيون بالقضاء . وكان منصب القضاء يعهد به في العصر الفاطمي لبعض السنيين أحيانا ؛ إذ أن الفاطميين في أواخر عهدهم لم يسيروا دائما على قاعدة إسناد القضاء إلى المتشيعين خاصة . وكان سجل القاضي الذي كان يقرأ في القصر وعلى منبر جامع عمرو يتضمن فقرة شرط فيها عليه أن يصدر أحكامه طبقا لقانون الشيعة ، وأن يكون معه في مجلس القضاء أربعة من الفقهاء المتشيعين ، حتى لا يصدر الحكم مخالفا للمذهب الشيعي .

--> ( 1 ) الكامل في التاريخ ج 10 ص 94 . ( 2 ) الكندي : كتاب القضاة ص 378 .