حسن ابراهيم حسن
472
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
بدعة صرح السلف بخلافها ، وعظم ضرر هذه البدعة ، ولقنها بعض الخلفاء عن أئمتهم « 1 » ، فحمل الناس عليها ، وخالفهم أئمة السلف ؛ فاستحل لخلافهم أبشار « 2 » كثير منهم ودمائهم . وكان ذلك سببا لانتهاض أهل السنة بالأدلة العقلية على هذه العقائد ، دفعا في صدور هذه البدع . وقام بذلك الشيخ أبو الحسن الأشعري إمام المتكلمين ، فتوسط بين الطرق ، ونفى التشبيه ، وأثبت الصفات المعنوية ، وقصر التنزيه على ما قصره عليه السلف ، وشهدت له الأدلة المخصصة لعمومه ، فأثبت الصفات الأربع المعنوية ، والسمع والبصر والكلام القائم بالنفس بطريق النقل والعقل ورد على المبتدعة في ذلك كله ، وتكلم معهم فيما مهدوه لهذه البدع من القول بالصلاح والأصلح والتحسين والتقبيح ، وكمل للعقائد في البعثة ، وأحوال الجنة والنار ؛ والثواب والعقاب . والحق بذلك الكلام في الإمامة ، لما ظهر حينئذ من بدعة الإمامية من قولهم إنها من عقائد الإيمان ، وإنه يجب على النبي تعبينها والخروج عن العهدة « 3 » في ذلك لمن هي له ، وكذلك على الأمة « 4 » . وقصارى أمر الإمامة أنها قضية مصلحية إجماعية ، ولا تلحق بالعقائد ؛ فلذلك ألحقوهما بمسائل هذا الفن . . . وكثر أتباع الشيخ أبى الحسن الأشعري ؛ واقتفى طريقته من بعده تلاميذه كابن مجاهد « 5 » وغيره ؛ وأخذ عنهم القاضي أبو بكر الباقلاني « 6 » . فتصدر للإمامة في طريقتهم ؛ وهذبها ، ووضع
--> ( 1 ) أخذها المأمون والمعتصم عن أحمد بن أبي داود وبشر المريسي وغيرهما من متقدمى المعتزلة . ( 2 ) جمع بشر وهو الجلد ، يعنى استحل قتلهم وجلدهم . ( 3 ) أي تبرئة الذمة ببيان من تكون له الخلافة . ( 4 ) يريد أنه من الواجب على الأمة تعيين الإمام أو الخليفة إن لم يعينه سلفه . ( 5 ) هو أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد ، الطائي البصري ثم البغدادي ، أحد شيوخ المالكية وصاحب أبى الحسن الأشعري ، وناصر مذهب أهل السنة ، غلب عليه علما الأصول والكلام ، وكان حسن الدين جميل الطريقة . وعنه أخذ القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المالكي المتوفى سنة 403 ه علم الكلام ، وهو الذي راوده الباقلاني على الخروج إلى شيراز لمناظرة المعتزلة بحضرة فنا خسرو : كما ذكر المقرى في أزهار الرياض . وهو غير أبى بكر بن مجاهد شيخ القراء ، لأن هذا متقدم الوفاة ، وليس معاصرا للباقلاني ( راجع ابن مجاهد المتكلم على طريقة الأشعري في تاريخ بغداد للخطيب ، الترجمة 261 ، وفي الديباج المذهب في علماء المذهب لابن فرحون اليعمري المالكي ( انظر هامش المقرى : أزهار الرياض في أخبار عباض ج 3 ص 85 - 86 طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بإشراف الأستاذ مصطفى السقا وآخرين ) ( 6 ) ذكر ابن خلكان ( ج 1 ص 481 ) « أنه كان على مذهب الأشعري ، وأنه صنف كتبا كثيرة في علم الكلام ، وكان أوحد زمانه ، وانتهت إليه الرياسة في مذهبه . . وكان كثير التطويل في المناظرة مشهورا بذلك عند الجماعة » . وتوفى في شهر ذي القعدة سنة 403 ه