حسن ابراهيم حسن
466
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
البدر والكراع والسلاح والعدد وجميع ما خلف في العسكر حين الهزيمة ، على حاله لم يلتبس أحد من أصحابه منه بشئ ، ولا دنوا إليه معسكرين بالقرب منه ، من حيث يرونه بالموضع الذي خلفهم فيه الصفار ، فقال له الرسول . هذه سياسة ورياضة راضهم الأمير بها إلى أن تأتى له منهم ما أراد . وكان لا يجلس إلا على قطعة مسح يشبه أن يكون طوله سبعة أشبار في عرض ذراعين أو أرجح . وإلى جانبه ترسه عليه اتكاؤه ، وليس في مضربه شئ غيره ، فإذا أراد أن ينام من ليله أو نهاره ، اضطجع على ترسه وتزع راية فيجعلها مخدته . وأكثر لباسه خفتان مصبوغ فاختى . وكان من سنته [ أن ] للقواد والرؤساء والعظماء عنده مراتب في الدخول بباب مضربه ، بحيث تقع عينه عليهم ويرى مداخلهم ، فيمرون مع أطناب « 1 » الشقاف إلى خيمة مضروبة بحيث لا يرى هو موضعها ، لكنه يرى مداخلهم إليها ونخرجهم منها ، فمن احتاج إليه منهم واحتاج إلى كلامه أو أمره أو نهيه دعاه فأمره . وكان دخولهم بحيث يقع نظره عليهم عوضا من السلام عليه . ولم يكن لأحد أن يتقدم إلى باب مجلسه إلا رجل من خواصه يعرف بالعزيز وإخوته ، وله من وراء خيمته خيمة تقرب من أطناب مجلسه فيها غلمان من خواصه . فإذا احتاج إلى أمر يأمره به ، صاح بهم فخرجوا إليه ، وإلا فهو في أكثر نهاره وليله في ذلك الموضع لا يقومون على رأسه . وخيمته داخل أخبية « 2 » مطنبة كلها ، يدور فيها خمسمائة غلام يبيتون من داخل مضربة ، على كل نفس منهم ثقة وكل يتفقد أحواله لئلا يكون منهم عبث أو فساد فهو المأخوذ به . وقال بعض من ورد إليه برسالة السلطان ( يعنى الخليفة العباسي ) : أيها الأمير ! أنت في رياستك ومجلسك ليس في خيمتك إلا صلاحك ومسح « 3 » أنت عليه . قال : إن رئيس القوم يأتم به أصحابه في أفعاله وسيرته ، فلو استعملت ما ذكرت من الأثاث لأثقلنا البهائم ولأتم بي في فعلى من في عسكرى . ونحن نقطع في كل يوم المهامة « 4 » والمفاوز والأودية والقيعان « 5 » ، ولا يصلح لنا إلا التخفيف . وكان قليل الاستعمال للبغال في عسكره ، وكان في عسكره خمسة آلاف جمل بختى « 6 » وأضعاف عددها حمير
--> ( 1 ) الطنب بضم الطاء وسكون النون ( أوضمها ) : الحبل تشد به الخيمة ؛ ومطنب مشدود بالحبال . ( 2 ) الخباء هو كل ما يعمل من وبر أو صوف ، وقد يكون من شعر ، والجمع أخبية من كساء وأكسية ، ويكون على عمودين أو ثلاثة ، وما فوق ذلك فهو بيت . ( 3 ) المسح بالكسر : البلاس أو اللباس وجمعها مسوح كحمل وحمول . ( 4 ) هام يهيم على وجهه لا يدرى أين يتوجه ، والهبماء : المفازة التي لا ماء فيها ، ورجل هيمان عطشان . ( 5 ) القاع والقيعة ، وجمعها قيعان ، المستوى من الأرض الذي لا ينبت . ( 6 ) البختي بضم الباء وتسكين الخاء : واحد البخت والبخاتي وهي الإبل الخراسانية ، وفي الأصل حمل بخت .