حسن ابراهيم حسن
440
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
وفي وسطها جام جزع ملونة « 1 » قد لوى على جنباتها الذهب الأحمر ؛ وهي مملوءة من ماء ورد ، وقد جعل سافا على ساف « 2 » كهيئة الصومعة من صدور الدجاج . وعلى المائدة سكرجات جزع فيها الأصباغ وأنواع الملح . ثم أتينا بشنبوشق بلور « 3 » وبعده جامات اللوزينج . ورفعت المائدة وقمنا من فورنا إلى موضع الستارة ، فقدم بين أيدينا أجانة ( طشت ) صينى بيضاء قد كرمت بالبنفسج والخيري « 4 » ، وغيرها مثلها قد عبىء فيها التفاح الشامي ، قدر مقدارنا ما حضر فيها ألف حبة . فما رأيت طعاما أنظف منه . ولا ربحا أظرف منه ، فقال لي : هذا حق الصبوح : فما أنسى إلى الساعة طيب ذلك اليوم » . ( ب ) في مصر والأندلس : كان أحمد بن طولون مضرب المثل في الكرم والجود ، قال المقريزي « 5 » : « وكانت صدقاته على أهلي المسكة والستر وعلى الضعفاء والفقراء وأهل التجمل متواترة . وكان راتبه لذلك في كل شهر ألفي دينار ، سوى ما يطرأ عليه من النذور وصدقات الشكر على تجديد النعم ، وسوى مطابخه التي أقيمت في كل يوم للصدقات في داره وغيرها ، يذبح فيها البقر والكباش ، ويغرف للناس في القدور الفخار والقصاع ، على كل قدر أو قصعة لكل مسكين أربعة أرغفة ، في اثنين منها فالوذج ، والاثنان الآخران على القدر . وكانت تعمل في داره وينادى . من أحب أن يحضر دار الأمير فليحضر - وتفتح الأبواب ، ويدخل الناس الميدان ، وابن طولون ينظر الناس في المجلس الذي تقدم ذكره ، ويتأمل فرحهم بما يأكلون ويحملون ، فيسره ذلك ويحمد اللّه على نعمته » . وقد حذا خمارويه بن أحمد بن طولون حذو أبيه في الكرم والجود ، فبلغت نفقات مطبخه الذي عرف باسم مطبخ العامة ثلاثة وعشرين ألف دينار في كل شهر . وذكر المقريزي « 6 » عند كلامه على دار الحرم التي بناه خمارويه لنساء أبيه ، أنه عين لهذه الدار الخدم والطهاة ، وأدر عليهن الأرزاق والأطعمة التي بلغت من كثرتها ووفرتها ، أن الطهاة والخدم كانوا يعطون ما بقي منها للعامة .
--> ( 1 ) أي من زجاج ملون بسواد وبياض ، وهو وعاء بلور ، على هيئة الشنبوشق . ( 2 ) أي طبقة فوق طبقة من لحم الدجاج كهيئة مخروط . ( 3 ) هو وعاء بلور على هيئة الشنبوشك . ( 4 ) قد فرش فيها البنفسج والخيري وهو نوع من الرياحين . ( 5 ) خطط ج 1 ص 316 ( 6 ) خطط ج 1 ص 318 .