حسن ابراهيم حسن

424

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

وفي الثامن عشر من شهر ذي الحجة من هذه السنة احتفل الشيعيون بيوم غدير خم ، وأمر معز الدولة بإظهار الزينة في بغداد فرحا بعيد الغدير ، وضربت الدبادب والبوقات « 1 » . ولم يكن هذا الاختلاف قائما بين السنيين والشيعيين وحدهم . بل تعداه إلى بعض السنيين وبعض . فقد رأينا أن الحنابلة أصبحوا قوة بخشي بأسها ، حتى إنهم حالوا دون دفن محمد بن جرير الطبري سنة 310 ه ، لأنه جمع كتابا في اختلاف الفقهاء ، لم يذكر فيه أحمد بن حنبل من بين هؤلاء الفقهاء « 2 » . كما رأينا كيف بلغ من تشددهم في الدين أن قاموا في وجه ذوى اليسار وكسروا أواني الخمر وحطموا الآلات الموسيقية وضربوا المغنيين « 3 » . وذكر السيوطي « 4 » أن الحنابلة ثاروا ببغداد سنة 318 ه ، لاختلافهم مع غيرهم من السنيين في تفسير قوله تعالى ( عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً « 5 » ، فقال الحنابلة إن المقصود من هذه الآية أن يقعد اللّه نبيه على عرشه ، وقال غيرهم بل هي الشفاعة واحتدم الجدل بسبب ذلك واقتتل الحنابلة مع خصومهم « 6 » . ومن طبقات الشعب طبقة الرقيق ، وكانت مصر وشمالي إفريقية وشمالي جزيرة العرب من أهم أسواق الرقيق الأسود ، وقد جلب إلى العراق كثير من الزنجيات اللاتي عرفن بكثرة النسل ، كما جلب كثير من الزنج لفلاحة الأرض وحراسة الدور . وكثر الزنج في العراق ، وأدت كثرتهم إلى قيام ثورة الزنج الخطيرة التي دامت أكثر من أربع عشرة سنة ( 255 - 270 ه ) ، وكلفت الدولة العباسية كثيرا من الأموال والدماء . وقد كثر شراء الرقيقات اللاتي أصبح منهن المغنيات وارتفع ثمنهن . وقد قيل إن ابن رائق اشترى حول سنة 325 ه جارية مولدة سمراء موصوفة بحسن الغناء بأربعة آلاف دينار « 7 » ، وارتفع ثمن الرقيق الأبيض بسبب انقطاع عبيد الأندلس في القرن الرابع الهجري وتخريب الثغور الغربية ، وكاد ينضب المصدر الوحيد الباقي من الرقيق وهو بيزنطية وأرمينية « 8 » .

--> ( 1 ) ابن الأثير ج 8 ص 197 . ( 2 ) المصدر نفسه ج 8 ص 45 - 46 . ( 3 ) المصدر نفسه ج 8 ص 106 - 107 . ( 4 ) تاريخ الخلفاء ص 254 . ( 5 ) سورة الإسراء 79 . ( 6 ) راجع كتاب الخليفة الراضي إلى الحنابلة في مسكويه : تجارب الأمم ج 1 ص 322 - 323 . ( 7 ) الصولي : أخبار الراضي باللّه والمتقى للّه ص 101 . ( 8 ) المقدسي : أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ص 242 .