حسن ابراهيم حسن

417

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

تأسيس مدينتى الزهراء والزاهرة : ولما ولى عبد الرحمن الناصر حكم بلاد الأندلس كانت قرطبة حاضرة هذه البلاد . وقد بلغ عدد سكانها خمسمائة ألف نسمة ، وعدد دورها ثلاثة عشر ألفا ومائة ، غير قصورها الفخمة وضواحيها الثمانية والعشرين وحماماتها الثلثمائة ، ومساجدها التي بلغت ثلاثة آلاف على ما قيل ، ولم يتفوق عليها في الاتساع سوى مدينة بغداد . وقد أولع أهل قرطبة بمقارنتها بها ، فقال بعضهم : دع عنك حضرة بغداد وبهجتها * ولا تعظّم بلاد الفرس والصين فما على الأرض قط مثل قرطبة * وما مشى فوقها مثل ابن حمدين كذلك بلغت شهرة قرطبة أهالي جرمانية الذين أطلقوا عليها في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري ( العاشر الميلادي ) « جوهرة العالم » « 1 » . أما مدينة الزهراء فإنها لم تقل عن قرطبة روعة وبهاء . وقد ذكرى المقرى « 2 » في سبب بناء هذه المدينة « أن الناصر ماتت له سرية ( مملوكة ) وتركت مالا كثيرا ، فأمر بأن يفك بذلك أسرى المسلمين ، وطلب في بلاد الإفرنج أسيرا فلم يوجد « 3 » . فشكر اللّه تعالى على ذلك فقالت له جاريته الزهراء ، وكان يحبها حبا شديدا ، اشتهيت لو بنيت لي مدينة تسميها باسمي وتكون خاصة لي ، فبناها تحت جبل العروس من قبلة الجبل وشمالي قرطبة » وسماها الزهراء . على أن ما أدلى به المقرى لا يمكن أن يكون سببا مباشرا لبناء هذه المدينة ، إذا عرفنا أن عبد الرحمن الناصر ولى الأندلس بعد فترة طويلة انتابها الضعف . فلما وطد عبد الرحمن دعائم ملكه ، ووحد بلاد الأندلس وأصبح خليفة للمسلمين ، فكر في بناء مدينة يتخذها حاضر لخلافته ، مقتديا في ذلك بأبى جعفر المنصور حين بنى مدينة بغداد ، وعبيد اللّه المهدى حين بنى مدينة المهدية ، والمعز لدين اللّه حين بنى مدينة القاهرة فيما بعد . ( م 27 - تاريخ الإسلام السياسي - ج 3 )

--> ( 1 ) المقرى : نفح الطيب ج 1 ص 216 . ( 2 ) نفح الطيب ج 1 ص 248 - 249 . ( 3 ) يقصد مملكتي ليون ونافار .