حسن ابراهيم حسن
418
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
وضع الناصر أساس مدينة الزهراء في أول المحرم سنة 325 ه في الشمال الغربى من مدينة قرطبة وعلى بعد ثلاثة أميال منها . وتأنق في بنائها ، وجلب إليها الرخام الأبيض من المرية والمجزع من رية ، والوردي والأخضر من إفريقية ، وأرسل بعضه هدية من الملوك والأمراء . وقد استعمل في بناء هذه المدينة ستة آلاف من الصخر المنحوت المعدل كل يوم . سوى الصخر غير المعدل والآجر « 1 » وأقيم بها أربعة آلاف سارية « 2 » ، وعمل في بناء المدينة كل يوم عشرة آلاف عامل وألف وخمسمائة دابة ، واستمر العمل في بنائها حتى نهاية عهد عبد الرحمن الناصر ( 350 ه ) ، وفي عهد ابنه الحكم المستنصر إلى سنة 365 ه . أي نحوا من أربعين سنة « 3 » . وقد بنيت الزهراء على سفح جبل العروس ، وكانت تشتمل على ثلاث مدن متدرجة في البناء ، كما يتبين ذلك من عبارة الإدريسى « 4 » حيث يقول : « وهي في ذاتها مدينة عظيمة مدرجة البنية ، مدينة فوق مدينة ، سطح الثلث الأعلى يوازى الجزء الأوسط ، وسطح الثلث الأعلى يوازى الثلث الأسفل ، ولكل ثلث منها سور ؛ فكان الجزء الأعلى منها قصورا يقصر الوصف عن صفاتها ، والجزء الأوسط لبساتين وروضات والجزء الثالث والديار والجامع » . بدأ الناصر ببناء قصره ، مقتديا في ذلك بجده الأمير محمد وأبيه عبد الرحمن الأوسط وجده الحكم ، الذين شيدوا قصورهم الفخمة ، كالمجلس الزاهر ، والبهو الكامل ، والقصر المنيف . فبنى الناصر إلى جانب المجلس الزاهر قصره العظيم الذي سماه « دار الروضة » ؛ ثم اختط مدينة الزهراء التي اتخذها دارا لإقامته وكرسيا لخلافته وبنى فيها دورا فسيحة للحيوان ، ومسارح للطيور مظللة بالشباك ودارا لصناعة آلات الحرب ، والحلى للزينة « 5 » .
--> ( 1 ) المقريزي : نفح الطيب ج 1 ص 249 . ( 2 ) السارية هي الأسطوانة أو العمود . ذكر المقرى في كتاب أزهار الرياض في أخبار عياض ( طبعة الأستاذ السقا وآخرين ج 2 ص 270 ) . أن عدد السواري المجلوبة من إفريقية ألف سارية وثلاث عشرة سارية ، ومن بلاد الإفرنج تسع عشرة سارية ، وأهدى إليه ملك الروم مائة وأربعين سارية ، وسائرها من مقاطع الأندلس : طركونة وغيرها . فالرخام المجزع من رية ، والأبيض من غيرها ، والوردي والأخضر من إفريقية من كنيسة سفاقس . ( 3 ) ذكر المقرى . ( نفح الطيب ج 1 ص 269 ) أن الناصر كان ينفق على بناء مدينة الزهراء ثلاثمائة ألف دينار مدة خمس وعشرين سنة ، أي سبعة ملايين ونصف مليون دينار في مثل هذه المدة عدا ما أنفقه ابنه الحكم من بعده مدة خمس عشرة سنة . ( 4 ) صفة المغرب وأرض السودان ومصر والمغرب ص 212 . ( 5 ) ابن خلدون : كتاب العبر ج 4 ص 144 .