حسن ابراهيم حسن
393
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
وقد اهتم الفاطميون بالطب وأغدقوا على الأطباء الأموال وأجزلوا لهم المنح ، وقلدوهم المناصب العالية ، وأصبحت لهم منزلة رفيعة بين رجال البلاط . ومما ساعد على تقدم دراسة الطب أنه أصبح يدرس نظريا وعمليا في المارستانات التي كانت أشبه بكليات الطب تخرج فيها جماعة من أطباء الأمراض الباطنية والجراحين والكحالين ، أي الذين يعالجون أمراض العيون . وكان من مستلزمات الطبيب أن يكون ملما بعلوم الفلسفة واللغات الأجنبية ، وخاصة السريانية واليونانية ، بجانب إلمامه بالطب ، وقد أورد القفطي وابن أبي أصيبعة تراجم كثير من الأطباء الذين نبغوا في هذا العصر . ومن هؤلاء أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن سعيد التميمي ، وقد نشا في بيت المقدس ثم تنقل في كثير من المدن في طلب هذا العلم ، وتوفر على دراسته حتى نبغ فيه ، كما أنقن طريقة تركيب الأدوية . ثم اتصل التميمي بالحسن بن عبيد اللّه بن طغج الإخشيدى عامل الرملة وما يليها من البلاد الساحلية في عهد الإخشيديين ، فقربه إليه ، ثم صحب يعقوب ابن كلس وصنف له كتابا يشمل عدة مجلدات سماه « مادة البقاء بإصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء » . ثم اتصل بالأطباء الذين وفدوا على مصر مع الخليفة المعز لدين اللّه الفاطمي . ومن أطباء المعز موسى العازار الإسرائيلى الذي حذق صناعة الطب ، كما اشتهر ابنه إسحاق بن موسى بالطب ، وكان مقربا من المعز ، لكنه مات في شهر صفر سنة 363 ه . فحزن هذا الخليفة على وفاته لحذقه وكفايته ، وعين مكانه أخاه إسماعيل بن موسى وكان قد تحول إلى الإسلام ، وابنه يعقوب بن إسحاق . ومن كتب موسى بن العازار في الطب « الكتاب المعزى في الطبيخ » الذي ألفه للخليفة المعز ، وكتاب الأقرباذين « 1 » . وممن نبغ في الطب في عهد الخليفة العزيز أبو الحسن علي بن رضوان . وقد خلف كثيرا من الكتب التي تبرهن على سعة فكره وعلو كعبه في هذه الناحية ، كما أن له كتبا في الفلسفة والمنطق وغيرهما من علوم الحكمة « 2 » . كذلك نبغ أبو الفتح منصور ابن سهلان بن مقشر النصراني طبيب الخليفة الحاكم الخاص ؛ وكان مقربا منه كما كان مقربا من أبيه العزيز ، وكان لشفاعته عند الحاكم أثر كبير في إطلاق سراح الكتاب من النصارى واليهود وإعادتهم إلى مراكزهم « 3 » .
--> ( 1 ) ابن أبي أصيبعة ج 2 ص 86 . ( 2 ) المصدر نفسه ج 2 ص 99 - 105 . ( 3 ) يحيى بن سعيد : صلة تاريخ أوتيخا ج 1 ص 185 - 186 .