حسن ابراهيم حسن

342

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

وتمسك بروايات شيوخ المحدثين القدماء كالبخاري والقشيري وأبى داود السجستاني ، ولكن الحنابلة وبعض العامة حنقوا على ابن جرير ورموه بالرفض والإلحاد ، وحالوا دون دفنه نهارا ، فدفن ليلا في داره . وقد عزا ابن الأثير « 1 » ذلك إلى « أن الطبري جمع كتابا ذكر فيه اختلاف الفقهاء لم يصنف مثله ، ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل ، فقيل له ذلك فقال : لم يكن فقيها وإنما كان محدثا ، فاشتد ذلك على الحنابلة ، وكانوا لا يحصون كثرة ببغداد ، فشغبوا عليه وقالوا ما أرادوا . حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه * فالناس أعداء له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لوجهها * حسدا وبغضا إنه لذميم . . . وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره ، فكان حافظا لكتاب اللّه ، عارفا بالقراءات ، بصيرا بالمعاني . فقيها في أحكام القرآن ، عالما بالسنن وطرقها ، صحيحها وسقيمها ، ناسخها ومنسوخها ، عارفا بأقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم في الأحكام ، ومسائل الحلال والحرام ، خبيرا بأيام الناس وأخبارهم . وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك ، والكتاب الذي في التفسير لم يصنف مثله ، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة وأخباره من أقاويل الفقهاء ، وتفرد بمسائل حفظت عنه . . . وقال ابن خزيمة حين طالع كتاب التفسير للطبري : ما أعلم على أديم الأرض أعلم من أبى جعفر ، ولقد ظلمته الحنابلة ، وقال أبو محمد عبد اللّه بن أحمد الفرغاني بعد أن ذكر تصانيفه : وكان أبو جعفر ممن لا يأخذه في اللّه لومة لائم ، ولا يعدل في علمه وتبيانه عن حق يلزمه لربه وللمسلمين إلى باطل ، لرغبة ولا رهبة ، مع عظيم ما كان يلحقه من الأذى والشناعات من جاهل وحاسد وملحد . وأما أهل الدين والورع فغير منكرين علمه وفضله وزهده ، وتركه الدنيا مع إقبالها عليه إقبالا ، وقناعته بما كان يرد عليه من قرية خلفها له أبوه بطبرستان يسيرة » . أما النوع الثاني من التفسير : وهو التفسير بالرأي ، الذي يخالف التفسير بالمأثور باعتماده على العقل أكثر من اعتماده على النقل ، فقد شغف به المعتزلة والباطنية بنوع خاص . فإن المعتزلة لما كانوا يؤمنون بمبدأ التنزيه ، أو بالأحرى بمبدأ نفى الصفات عن اللّه سبحانه وتعالى ، أخذوا يفسرون القرآن وفق مبادئهم ، مخالفين في ذلك تفاسير مدرسة التفسير المأثور . لذلك نرى مفسري المعتزلة يلجئون إلى التأويل إذا اعترضتهم من

--> ( 1 ) ج 8 ص 45 - 46 .