حسن ابراهيم حسن
340
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
ثانيهما باسم التفسير بالرأي ، وهو ما كان يعتمد على العقل أكثر من اعتماده على النقل . ومن أشهر مفسري هذا النوع المعتزلة والباطنية . ولم يتخذ التفسير هذه الطريقة المنظمة إلا في العصر العباسي الثاني بوجه خاص . ويمتاز ابن جرير الطبري في تفسيره الذي يقع في ثلاثين مجلدا ، والذي وصفه أبو حامد الأسفراينى بقوله : لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصّل كتاب تفسير ابن جرير الطبري لم يكن ذلك كثيرا ، بتحرى الدقة في النقل عن الرسول والصحابة والتابعين ، ومعارضته أصحاب الرأي لأنهم كثيرا ما يتبعون هواهم . ويقول جولدتسيهر « 1 » عن كتاب تفسير الطبري إنه دائرة معارف غنية في التفسير بالمأثور . وقد أعطى - كذلك - في تفسيره لإجماع الأمة سلطانا كبيرا . وعلى هذا النحو انتظم في تفسيره ، آية بعد آية ، التفسير بالروايات المروية عن العلماء المعتبرين وحدهم ، وأيد ذلك بالأسانيد المختلفة بالرجال الذين وصلت إليه المعرفة عن طريقهم . ولم يسلك هذا الطريق على نحو آلى ، وإنما فعل ذلك على مثال ما كان يسير عليه العلماء المسلمون من وقت طويل ، من نقد الرجال جرحا وتعديلا . فعند ما يظهر أن الحديث غير موثوق به ، فإنه يصرح بما يناسبه ، حتى آراء ابن عباس وقف حيالها موقفا حرا صريحا . وقال مرة عن مجاهد الذي كان يحب أتباعه ، إن رأيه « يخالف إجماع الحجة الذين لا يمكن نسبتهم إلى الكذب » . وفي مرة أخرى « وما ذكر هنا عن مجاهد لا معنى له وفساد رأيه لا شك فيه » . وعلى هذا النحو كان يعالج أيضا آراء الضحاك وغيره من الرواة عن ابن عباس . وكذلك ألف الطبري في علم القراءات كتابا يقع في ثمانية عشر مجلدا ، اشتمل على القراءات المعروفة والشاذة ، وتحرى الدقة في نقدها . فكان يجمع الروايات ويمحصها ويفندها ويخرج منها برأي خاص . وإذا لم تمس هذه القراءات المختلفة المعنى بشكل جوهري فضل الأخذ بالقراءة الشائعة ، وعارض في شدة القراءات التي لا تعتمد على الأئمة الذين يعتبرون حجة في نظره . وكان ابن جرير يهتم عند التفسير بالمعنى الواضح الذي لا يصح العدول عنه . أما إذا كانت هناك مواضع تستدعى تفسيرا آخر ، رجع إلى أقوال السلف ، أي إلى الصحابة والتابعين وعلماء الأمة . كما اعتمد كثيرا على القصص الإسرائيلية التي كان يستمدها من مراجع
--> ( 1 ) كتاب المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن ص 86 - 87 .