حسن ابراهيم حسن

338

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

العلم من مناهلة والتزود من الثقافة الإسلامية . ومن ثم ظهرت فيها طائفة من العلماء والشعراء والأدباء والفلاسفة والمترجمين والفقهاء وغيرهم . وقد زخرت مكتبة قرطبة بكثير من المصنفات في مختلف العلوم والفنون . فقد بذل الحكم المستنصر ، حتى قبل أن يجلس على عرش الخلافة الأموية سنة 350 ه ، جهودا بعيدة الأثر في توجيه الدراسة الأندلسية في ميدان العلوم والطب وكانت المكتبة التي أنشأها في قصره بقرطبة ذات ثراء لا يقارن ، إذ كانت تضم بين خزائنها أربعمائة ألف مجلد في وقت لم تعرف فيه الطباعة ، وكانت الفهارس التي وضعت لها في غاية الاختصار حتى إنها اكتفت بذكر أسماء الكتب ومؤلفيها فحسب . وكانت هذه المكتبة تحتوى على أربعة وأربعين سجلا ، كل منها يقع في خمسين ورقة . وكانت هناك شبكة محكمة من الباحثين والسماسرة والناسخين يعملون لحساب ذلك الخليفة الأموي في الأندلس . وقد انتشروا في جميع أنحاء العالم الإسلامي سعيا وراء المؤلفات . وكان في قرطبة نفسها عدد كبير من الناسخين والمجلدين والمزخرفين يعملون على إنماء هذه المكتبة الفخمة وتجميلها . وقد امتاز الحكم المستنصر بقراءة كثير من هذه الكتب والتعليق عليها « 1 » . ولا عجب في ذلك ، فقد كان الحكم ، كما يقول المقرى « 2 » ، غزير العلم واسع الاطلاع ذا معرفة بالأخبار والأنساب ، حتى لقد اعتبر العلماء تعليقاته من أجل ما يكتب « 3 » . ولم يكن اقتناء الكتب في الأندلس مقصورا على الأمراء والخلفاء ، بل لقد قلد أشراف قرطبة ووجهاؤها خليفتهم وأخذوا في تكوين مكتبات خاصة ، واعتبروا ذلك العمل مظهرا من مظاهر المباهاة والافتخار .

--> ( 1 ) المقرى : نفح الطيب ج 1 ص 186 - 187 . ذكرنا قول المقرى هذا بما رأيناه عيانا في مكتبة العلامة المغفور له أحمد تيمور باشا ، فطالما ترددنا على خزانة كتبه بدار الكتب المصرية ، وكلما رأينا كتابا نفيسا أو مخطوطا نادرا منها وجدنا له عليه تعليقا ممتعا وإضافات تصحح ما وقع فيه من أخطاء ، هذا مع العناية بنظافة الكتب والمحافظة على جلدها وورقها محافظة نادرة . ( 2 ) المصدر نفسه ج 1 ص 318 . ( 3 ) بروفنسال : الشرق الإسلامي والحضارة العربية ( تطوان 1950 ) ص 35 - 36 .