حسن ابراهيم حسن
333
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
يقول ابن خلدون « 1 » في الفصل الذي تكلم فيه على « أن العلوم إنما تكثر بحيث يكثر العمران وتعظم الحضارة » . « إن تعليم العلم من جملة الصنائع . . . وإن الصنائع إنما تكثر في الأمصار . وعلى نسبة عمرانها في الكثرة والقلة والحضارة والترف تكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة ، لأنه أمر زائد على المعاش . فمتى فضلت ( زادت ) أعمال أهل العمران عن معاشهم ، انصرفت إلى ما وراء المعاش من التصرف في خاصية الإنسان وهي العلوم والصنائع . ومن تشوف بفطرته إلى العلم ممن نشأ في القرى والأمصار غير المتمدنة ، فلا يجد فيها التعليم الذي هو صناعي ، لفقدان الصنايع في أهل البدو كما قدمناه ، ولا بد له من الرحلة في طلبه إلى الأمصار المستبحرة شأن الصنائع كلها . واعتبر ما قررناه بحال بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة لما كثر عمرانها صدر الإسلام واستوت فيها الحضارة كيف زخرت فيها بحار العلم ، وتفننوا في إصلاحات التعليم وأصناف العلوم واستنباط المسائل والفنون حتى أربوا ( زادوا ) على المتقدمين وفاقوا المتأخرين . ولما تناقص عمرانها وابذعرّ ( تفرق ) سكانها ، انطوى ذلك البساط بما عليه جملة ، وفقد العلم بها والتعليم ، وانتقل إلى غيرها من أمصار الإسلام » . كانت هناك في هذا العصر عدة مراكز للثقافة جذبت إليها رجال الأدب منها : 1 - أصبهان أو الري حيث أقام بوجه عام الصاحب إسماعيل بن عباد الذي تقلد الوزارة لمؤيد الدولة بن ركن الدولة بعد أبي الفتح بن العميد . وكان بلاط بنى بويه هناك كعبة يؤمها العلماء ورجال الأدب . 2 - البلاط السامانى في بخارى التي وصفها الثعالبي « 2 » في هذه العبارة فقال : « كانت بخارى في الدولة السامانية مثابة المجد ، وكعبة الملك ، ومجمع أفراد الزمان ، ومطلع نجوم أدباء الأرض ، وموسم فضلاء الدهر ، حدثتى أبو جعفر محمد بن موسى الموسوي قال : اتخذ والدي أبو الحسن دعوة ببخارى في أيام الأمير السعيد ( نصر الثاني ابن أحمد 301 - 330 ه ) ، جمع فيها أفاضل غربائها : كأبى الحسن اللحام ، وأبى محمد
--> ( 1 ) مقدمة ص 379 - 380 . ( 2 ) يتيمة الدهر ج 4 ص 95 .