حسن ابراهيم حسن
67
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
ولا يغيب عن أذهاننا ما كان لاجتماع الشعراء في مكة وفي سوق عكاظ من أثر في حياة العرب الأدبية ، كما لا نجهل أيضا أن كثيرين من هؤلاء الشعراء كانوا يجوبون البلاد المجاورة ، فاتصلوا بالفرس عن طريق المناذرة وبالروم عن طريق الغساسنة ، واتصلوا بالفرس والروم معا عن طريق التجارة ، كما أخذوا بعض الفكر الدينية عن الجاليات اليهودية وعن نساطرة الحيرة . وقد ظهر أثر تلك الأفكار في شعر الشعراء كقس بن ساعدة وأمية بن أبي الصلت ، وفي خطب الخطباء وأقوال الحكماء من العرب مثل أكثم بن صيفي وورقة بن نوفل . أما العلوم التي حذقها العرب بحكم البيئة التي نشأوا عليها وطبيعة البلاد التي درجوا على أرضها فهي علم الأنواء . ولا غرو فقد مهروا في تتبع الأنواء وتعرف أوقات نزول الغيث ، كما مهروا في علم الأثر . فقد كانت لهم دراية خاصة بمعرفة آثار الأقدام ، وساعدهم على ذلك تلك الصحراء المغطاة بالرمال التي تنطبع فيها آثار الأقدام بسهولة ، كما مهروا في علم الأنساب ؛ فقد كان يسكن جزيرة العرب قبائل متافرة . ومن ثم دفعتهم الحاجة الملحة إلى أن يحفظوا أنسابهم التي يعتمدون عليها في عقد محالفاتهم أو في شن الغارات على أهدائهم أو المنافسة على مركز الرياسة فيهم - إلى غير ذلك من العلوم التي تنشأ في مثل هذه البيئة والتي هي أولى بأن يطلق عليها مجموعات من المعارف من أن تكون علوما بالمعنى الذي نعرفه . وكان الغرض الأصلي من اجتماعات العرب دينيا بحتا : أما تناشدهم الأشعار وتبادلهم الأفكار ، فإنما كان أمرا ثانويا دفعوا إليه بحكم اجتماعتهم في صعيد واحد ترفرف عليهم ألوية السلام . على أن ذلك الغرض الديني لم يلبث أن أصبح عرضيا لا قيمة له وثانويا لا يؤبه له ، بعد أن حلت محله الأغراض الاجتماعية والشؤون السياسية . فطالما كانت تعقد المعاهدات وتبرم المحالفات في تلك المجتمعات . ومن ثم ظهر الشعراء الذين كانت لهم جلسات ممتعة يتبارون فيها في الشعر ، وأصبح تبادل الأفكار والمنافع هو الغرض الأصلي من تلك المجتمعات « 1 » .
--> ( 1 ) انظر تاريخ عمرو بن العاص للمؤلف ص 19 - 20 .