حسن ابراهيم حسن

68

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

ولم يحل عدم انتشار التعليم في بلاد العرب في الجاهلية دون قيام نهضة أدبية في خلال ذلك العصر . وليس أدل على تلك النهضة من اردهار الشعر الذي يكون صورة صادقة للخلق القومي ، والذي يختلف تماما عن الشعر في الشعوب السامية الشمالية في مادته وتركيبه ، ذلك الشعر الذي لم نعلم به إلا في أزهى عصور انتشاره . وجميع الشعر العربي مقفى . على أن القافية ليست خاصة بالشعر ، فقد تقفى العبارات التي لها علاقة ما بالأمور الدينية والأحاديث ذات الخطر ، والتي ليست خاضعة لقواعد الشعرية المضيقة مثل تنبؤات بعض المتنبئين وحكم الحكماء . يقول نلدكه : « ولما كان هذا النوع من الشعر يرجع إلى عصر غير معلوم ، وأنه قد ظهر وانتشر بادىء ذي بدء بين الإغريق والروم في القرن الرابع الميلادي ، فليس بعيدا أن يكون ثمة ارتباط من ناحية ما ، بين ذلك الشعر وبين الشعر العربي ، وخصوصا في استعمال تلك الطريقة الفريدة التي لا يبعد أن تكون قد وصلت إلى العرب في نفس ذلك الوقت . . على أنه يغلب على الظن أن يكون الشعر العربي قد ابتدأ بالنثر المقفى ، ثم تطور حتى انتهى إلى ما هو عليه اليوم من البخور والأوزان . ومع ذلك فإن هذه المسألة لا تزال محلا لاحتمالات كثيرة ، ولم نقم للان أدلة قاطعة فستطيع الأخذ بها . على أن اقتباس الشعر العربي أوزانه عن الشعر اللاتيني أو اليوناني لا يحط قدره ؛ كما لا ينقص طرافته تلك الدقة في مراعاة هذه القافية واستيلائها على النفس ، حتى إن العربي الذي لم يمرن على الأدب ، والذي لم يكن له من الثقافة حظ كبير أو قليل ، ليحفظ تلك القصائد والمقطوعات الشعرية وينقلها مع الرعاية التامة والمحافظة الشديدة لتلك الأوزان النظمية ، على الرغم من أنها تختلف كثيرا في أوزانها وقافيتها عن المقاييس النظمية للشعر اللاتيني واليوناني » . ويتناول الشعر العربي القديم الحياة العادية والشؤون الحيوية للبدوى . وطالما كان يتغنى الشعر العربي بذكر تلك الحياة وامتداحها وصبغها نجم الألوان من الأخيلة الشعرية ، كما لم ينس هذا الشعر نصيبه من الحكم الرائعة والأفكار القيمة . وقد مهد الطريق للدين الإسلامي بعض مشهوري الشعراء الذين ثقفت عقولهم الأسفار الطويلة والمشاهدات الجمة ، والذين اختلطوا بالمسيحيين وترددوا على بعض أقيال العرب . وكان العربي يحرض كل الحرص على الامتناع عن القتال في بعض أشهر