حسن ابراهيم حسن
63
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
الشام والحبشة وغيرهما من سبيل للسير في هذه الفيافي والقفار الكثيرة الوعورة والأخطار . فاحتكروا تجارة البلاد السعيدة ( اليمن ) والشام وغيرهما واختصوا بنقل سلعها . وكان من أثر احتكارهم تلك التجارة وانتشارها في مكة أن أثرى أهلها ثراء كبيرا . ولم يكن حب أبناء الأشراف والنبلاء وأهل الشرف فيهم للفروسية بأقل من حبهم للتجارة التي كانوا يمارسونها منذ نعومة أظفارهم . أضف إلى ذلك ازدياد عددهم على الأيام ، لجودة غذئهم بالنسبة لغيرهم من القبائل ، وعدم تعرضهم للمنازعات والحروب التي أنهكت قوى العرب في جاهليتهم . كما ساعدتهم ثروتهم على قرى الضيف ، فلهجت بمحامدهم ألسنة الشعراء الوافدين على مكة من كافة أرجاء بلاد العرب . وقد أثرت قريش من التجارة ثراء عظيما ، وظهر فيها كثير من الأثرياء كأبى سفيان ، والوليد بن المغيرة ، وعبد اللّه بن جدعان الذي استطاع أن يسلح في حرب الفجار مائة رجل بالسلاح الكامل . وكان القرشيون بمثابة الوسطاء بين إقليم البحر الأبيض المتوسط في الشمال ، حيث الشام وفلسطين ، وسواحل آسيا الصغرى ومصر الشمالية ، وبين ذلك الإقليم الموسمى الذي تكثر فيه الخيرات المعروفة من توابل وحاصلات أخرى هامة . وبما أن التجارة تقتضى علما بالسياسة العامة والعلاقات التجارية ، عنى القرشيون بالوقوف على العلاقات بين فارس والروم ، وبين اليمن والحبشة ، وهل هناك ما يعترض تجارتها . وبذلك كانت تجارة قريش مدرسة لتكوين أفراد يصعب على المدارس العادية تخريجهم فيها ، كما تقتضى التجارة علما خاصا بالحساب التجاري وكل ما يتعلق بالتجارة من مكاييل ومقاييس . وقد أفادت قريش من اشتغالها بالتجارة فوائد معنوية وأدية على جانب كبير من الأهمية ، وساعد اشتغالهم بالتجارة وكثرة أسفارهم إلى الشام والحبشة ومصر وغيرها ، ومخالطهم أقواما مختلفين ، كالفرس والروم ، من ذوى المدنيات القديمة ، على معرفة أحوال هذه الأمم السياسية والاجتماعية والأدبية ، مما كان له أثر كبير في تثقيف عقولهم ورقى مداركهم حتى وصلوا إلى مستوى فكرى لم يصل إليه أهل البدو وسكان الواحات . وكانوا يعرفون الكتابة والقراءة