حسن ابراهيم حسن

62

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

وكانت قوافل قريش معروفة عند العرب ، لأنهم سكان مكة وحماة الكعبة التي يقدسها العرب . فكانوا يسيرون آمنين مطمئنين . وجابت قوافلهم هذه البلاد طولا وعرضا كما فعل أهل اليمن من قبل ، فوصلوا إلى غزة وبيت المقدس ودمشق ، وعبروا البحر الأحمر إلى الحبشة . وكانت ميناء جدة ، التي تبعد عن مكة بنحو أربعين ميلا ، واسطة التجارة بينها وبين الحبشة . وكانت السلع تحمل من جدة إلى القطيف في إقليم البحرين ، حيث تنقل في القوارب مع اللؤلؤ الذي يستخرج من الخليج الفارسي إلى مصب الفرات . وتقع مكة في نحو منتصف المسافة بين اليمن جنوبا والشام شمالا . وكانت عير قريش تحمل من أسواق صنعاء ومن مواتى عمان واليمن ، الطيب والبخور الكثير الاستعمال في المعابد والكنائس والقصور في البلاد الواقعة في حوض البحر الأبيض المتوسط ، وكذا المنسوجات الحريرية والجلود والأسلحة والمعادن الفيسة التي يرد كثير منها إلى مواتى بلاد اليمن والهند والصين وغيرهما من بلاد الشرق وتحمل من أسواق بصرى ودمشق القمح والمصنوعات وزيت الزيتون والحبوب والخشب والفز ، ومن بلاد الحبشة التوابل ، ومن مصر المنسوجات المعروفة بالقباطى . وبلغ من اهتمام القرشيين بالتجارة أنهم كانوا يرحلون رحلتين في العام : رحلة الشتاء إلى اليمن ، ورحلة الصيف إلى الشام ، وكان بنو عبد مناف الأربعة يتوجهون إلى البلاد المختلفة للتجارة : فكان هاشم يتوجه إلى الشام ، وعبد شمس إلى الحبشة ، والمطلب إلى اليمن ، ونوفل إلى فارس . وكان تجار قريش يختلفون إلى هذه البلاد في ذمة هؤلاء الإخوة الأربعة لا يتعرض لهم أحد بسوء « 1 » . وكان كل أخ منهم يأخذ من ملك البلد الذي يقصده أمانا له ؛ فكان هذا أشبه بالعلاقات التجارية بين امراء مكة وغيرهم من الملوك . وقد منّ اللّه تعالى على قريش في ذلك بقوله . لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ . وكانت بلاد العرب وعرة إلا عليهم ، لعلهم بالصحراء وسبلها ومواضع الأمن والخوف منها ، وقدرتهم على تحمل القيظ وعناء السير ، فلم يكن لأهل

--> ( 1 ) الألوسى : سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب ( بغداد سنة 1280 ه ) ص 69 .