حسن ابراهيم حسن
524
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
المنبر في الأمور السياسية والدينية . . فمن فوق منبر المدينة أعلن عمر تقهقر جيوش المسلمين في العراق واستحث قومه على السير إلى هذه البلاد ، ومن على المنبر أيضا وقف عثمان يدافع عن نفسه ، كما كان الخليفة يلقى بعد بيعته من فوق المنبر خطبته الأولى التي هي بمثابة بيان لسياسته في الحكم . فكان المنبر بذلك أشبه بالعرش الذي يلقى من فوقه بيان سياسة الدولة في الأمم الدستورية » . ونستطيع أن نضيف إلى ما تقدم أن المساجد كانت تستخدم لاجتماع العلماء فيها ، كما اتخذها علماء التفسير والحديث مقرا لهم . ثم استخدمت معاهد للتعليم يتلقى فيها الأطفال اللغة العربية وأصول الدين ، كما اتخذها القضاة مكانا لعقد جلساتهم . وصفوة القول أنه لما لم يمكن الفصل بين السياسة والدين ، كان المسجد المكان التي تذاع فيه الأخبار الهامة التي تتعلق بالمصالح العامة . ويقول سير توماس أرنولد أيضا إن المساجد لم تلبث أن فقدت أهميتها السياسية والاجتماعية ، فلم تعد تمثل عرش الخليفة أو كرسي الوالي أو منصة القاضي ، وغدا المسجد مقصورا على إقامة الخطبة الدينية ، يمجد فيها اللّه ويصلى على النبي ويترحم على الصحابة ويدعى للخليفة باعتباره نائبا عن رسول اللّه في المحافظة على الدين . ولم يبق فيها من مظاهر السياسة إلا ذكر اسم الخليفة في الخطبة ليكون ذلك أشبه باعتراف الولايات الإسلامية بسلطة الخلفاء الإسمية . ( ب ) تأسيس الجامع العتيق « 1 » : أسس هذا الجامع عمرو بن العاص سنة إحدى وعشرين من الهجرة . وكان على الأرض التي بنى عليها مسجد لقيسبة بن كلثوم التجيبى . وقد سأل عمرو حين عاد المسلمون من الإسكندرية قيسبة أن ينزل عن داره ، وكانت تقع إلى الشمال من حصن بابليون ، ليجعل مكانها مسجدا ، فأجابه إلى طلبه وتصدق بها على المسلمين ، ومن ثم شرع عمرو في بنائه ، فكان طوله خمسين ذراعا وعرضه ثلاثين ومن هنا يتضح أن هذا الجامع كان في مبدأ أمره أصغر بكثير مما هو عليه الآن . ولم يكن للمسجد بناه عمرو محراب مجوف . وأول من بناه قرة
--> ( 1 ) يطلق على هذا الجامع أيضا جامع عمرو ، وتاج الجوامع ، والمسجد الجامع ( ابن دقماق ج 4 ص 59 ) .