حسن ابراهيم حسن

500

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

« لباب القلوب » . فلما وصلوا إلى الكوفة أخبر حذيفة الناس بذلك وحذرهم ما يخاف ، فوافقه أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكثير من التابعين ، وقال له أصحاب ابن مسعود : ما تنكر ؟ ألسنا نقرؤه على قراءة ابن مسعود ؟ فغضب حذيفة ومن وافقه ، وقالوا : إنما أنتم أعراب ، فاسكتوا فإنكم على خطأ : وقال حذيفة : واللّه لئن عشت لآنين أمير المؤمنين ولأشيرن عليه أن يحول بين الناس وبين ذلك . فأغلظ له ابن مسعود فغضب سعيد وقام ، وتفرق الناس ، وغضب حذيفة وسار إلى عثمان فأخبره بالذي رأى وقال : أنا النذير العريان فأدركوا الأمة . فجمع عثمان الصحابة وأخبرهم الخبر فأعظموه ورأوا جميعا ما رأى حذيفة ، فأرسل عثمان إلى حفصة بنت عمر أن ارسلى إلينا بالصحف ننسخها . وكانت هذه الصحف هي التي كتبت في أيام أبى بكر » . فلا عجب إذا لاقت هذه الفكرة قبولا في نفس عثمان ، فعول على نسخ المصحف تلافيا لما قد يجر إليه لتهاون في هذا الأمر الخطير من العواقب السيئة . وسرعان ما أرسلت حفصة بنت عمر الصحف إلى عثمان لتنسخ منها عدة نسخ لإرسالها إلى الأمصار ، وقام بهذا العمل زيد بن ثابت ، وعبد اللّه ابن الزبير ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وأمرهم عثمان بأن يكتبوا ما يختلفون فيه بلسان قريش . وقد أشار أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني ( ت 444 ه ) إلى سبب اختيار زيد ابن ثابت لهذا العمل الجليل في كتابه « المقنع » في رسم مصاحف الأمصار الذي نشره « برتزل » حديثا مع كتاب النقط : فإن قيل فلم خص زيد ( بن ثابت ) بأمر المصاحف ، وقد كان في الصحابة من هو أكبر منه كابن مسعود وأبى موسى الأشعري وغيرهما من متقدمى الصحابة ، قلت : إنما كان ذلك لأشياء كانت فيه مناقب اجتمعت له لم تجتمع لغيره ، منها أنه كتب الوحي للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأنه جمع القرآن كله على عهد رسول اللّه ، وأن قراءته كانت على آخر عرضة عرضها النبي على جبريل عليهما السلام . وهذه الأشياء توجب تقديمه لذلك وتخصيصه به ، لامتناع اجتماعهما في غيره ، وإن كان كل واحد من الصحابة رضوان اللّه عليهم له فضله وسابقته ، فلذلك قدمه أبو بكر لكتابة المصاحف