حسن ابراهيم حسن
501
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
وخصه بها دون غيره من سائر المهاجرين والأنصار ، ثم سلك عثمان رضى اللّه عنه طريق أبى بكر في ذلك إذ لم يسعه غيره ، وإذ كان النبي صلى اللّه عليه وسلم قد قال اقتدوا بالذين من بعدى : أبى بكر وعمر . فولاه ذلك أيضا وجعل معه النفر من القرشيين ليكون القرآن مجموعا على لغتهم ، ويكون ما فيه من لغات ووجوه على مذهبهم دون ما لا يصح من اللغات ولا يثبت من القراءات « 1 » » . أمر عثمان بإحراق المصاحف الأخرى ، فعاب عليه ذلك بعض ذوى الأغراض السيئة وبخاصة أهل الكوفة . فلما نسخوا الصحف ردها عثمان إلى حفصة وأرسل إلى كل مصر من الأمصار بمصحف وحرق ما سوى ذلك ، وأمر أن يعتمدوا عليها ويدعوا غيرها من المصاحف . وقد عرف الناس جميعا فضل هذا العمل إلا ما كان من أهل الكوفة ، فإن المصحف لما قدم عليهم فرح به أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وامتنع أصحاب عبد اللّه بن مسعود . ولما قدم على الكوفة قام إليه رجل فعاب عثمان بجمع الناس على المصحف ، فصاح وقال : اسكت ! فعن ملأ منا فعل ذلك ؛ فلو وليت منه ما ولى عثمان لسلكت سبيله « 2 » . مما تقدم يتبين أن القصد من التدوين الأول إنما هو جمع القرآن وحفظه من الضياع ، كما كان التدوين الثاني يرمى إلى غرض واحد ، هو جمع الناس على وجه واحد في قراءة القرآن خشية ما قد يقع بينهم من خلاف مصدره التحريف الذي يفتح الباب على مصراعيه للزيادة والنقصان في كلام اللّه سبحانه ، ولا سيما أن العرب أخذوا يختلطون بأهالي البلاد المفتوحة الذين اختلفت لغاتهم وتباينت لهجاتهم . وعندنا أن عثمان أحسن كل الإحسان إلى المسلمين ، وأن عمله هذا يستحق الثناء والتقدير لا اللوم والتعنيف . وإن أثر عمر بن الخطاب في حفظ القرآن لا يقل عن أثر عثمان ، إذ لو لم يتدارك هذا الأمر بحكمته وبعد نظره ، لنال القرآن من التبديل والتحريف أكثر مما ناله غيره من الكتب السماوية الأخرى فيضيع إعجازة ويتلاشى بيانه .
--> ( 1 ) راجع مقدمة الأستاذ محمد كرد على في مجلة الرسالة عدد 108 في 29 يولية ستة 1935 . ( 2 ) ابن الأثير ج 3 ص 46 .