حسن ابراهيم حسن
374
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
ويتبين مما كتب في تلك الصحيفة مبلغ تفوق عمرو على أبى موسى في الدهاء والسياسة . فلا غرو فقد استدرجه حتى أقر له بأن عثمان قتل مظلوما ، وأن لمعاوية الحق في أن يطلب بدمه المسفوك . وهكذا تمكن عمرو من تنفيذ غرضه والوصول إلى غايته وهو خلع علي بن أبي طالب وتثبيت معاوية بن أبي سفيان ، على الرغم من تشبث أبى موسى بخلع معاوية واستخلاف عبد اللّه بن عمر دون غيره من الصحابة . قال الطبري ( 6 : 39 ) : قال عمرو لأبى موسى ( بعد أن عدد أسماء كثيرين من الصحابة لنولية الخلافة ) : ما رأيك ؟ قال : رأيي أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شورى بين المسلمين فيختاروا لأنفسهم من أحبوا ، فقال له عمرو : إن الرأي ما رأيت وقال : يا أبا موسى ! أعلمهم بأن رأينا قد اجتمع وانفق . فتكلم أبو موسى : إن رأيي ورأى عمرو قد اتفق على يأمر نرجو أن يصلح اللّه عز وجل به أمر هذه الأمة ، فقال عمرو : صدق ، تقدم يا أبا موسى فتكلم : فتقدم أبا موسى ثم قال : أيها الناس ! إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها ولم شعثها من أمر قد أجمع رأيي ورأيه عليه ، وهو أن نخلع عليا ومعاوية ، فتستقبل هذه الأمة هذا الأمر فيولوا منهم من أحبوا عليهم . وإني قد خلعت عليا ومعاوية ، فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلا . ثم أقبل عمرو بن العاص فقام مقامه فحمد اللّه وأثنى عليه وقال : إن هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه ، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه ، وأثبت صاحبي معاوية ، فإنه ولى عثمان بن عفان رضى اللّه عنه والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه ؛ فتنابذا ، وركب أبو موسى راحلته ولحق بمكة ، ثم انصرف أهل الشام إلى معاوية وسلموا عليه بالخلافة . ونحن نشك في هذا ونميل إلى ما قاله المسعودي « 1 » إنه لم يكن بين الحكمين غير ما كتب في الصحيفة ، وما كان من إقرار أبى موسى بأن عثمان قتل مظلوما وغير ذلك ، وأنهما لم يخطبا ، وإنما كتبا صحيفة فيها خلع على ومعاوية وأن يولى المسلمون من أحبوا .
--> ( 1 ) مروج الذهب ج 2 ص 27 .