حسن ابراهيم حسن
359
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
إلى معاوية يقول المال مال اللّه ؟ ألا أن كل شئ للّه ، كأنه يريد أن بحتجنه « 1 » دون المسلمين ، ويمحو اسم المسلمين « 2 » ( أي من ديوان العطاء ) . لهذا لا تعجب إذا رأينا أبا ذر يعلن استياءه من سياسة معاوية ، ويحض الأغنياء على الرحمة بالفقراء وعلى الإقلاع عن ادخار الأموال وكنزها ، محتجا بقوله تعالى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ( سورة التوبة 9 : 24 ) . كما لا نعجب أيضا إذا ألفينا الفقراء يلتفون حوله ويسيئون إلى الأغنياء حتى شكوا ذلك إلى معاوية . فلما رفع معاوية الأمر إلى عثمان أيقن أن الفتنة قد أخرجت بخطمها « 3 » وعينها . وقد بعث عثمان في طلب أبي ذر الذي آلى على نفسه أن يواصل حملاته على هذه السياسة . وكأن أبا ذر قد تنبأ بتلك الثورة التي ذهب ضحيتها . ولما دخل المدينة ووجد المجتمعات تعقد للتآمر على عثمان ، نادى في المجتمعين : « بشر أهل المدينة بغارة شعواء وحرب مذكار » . وقد أذن عثمان لأبى ذر بالإقامة في الربدة ، وهي قرية صغيرة على مقربة من المدينة - أو نفاه إليها على ما ذهب إليه ابن هشام « 4 » والخوارزمي « 5 » - ولكنه واصل حملاته العنيفة على سياسة عثمان إلى أن مات سنة 31 ه وهو كاره لها . ولقد وجد ابن سبأ - وهو أول من حرض الناس على كره عثمان - الطريق ممهدة لخلعه . ولسنا نشك في حسن نية أبي ذر ، وما كان من استيائه من عثمان ومن سياسته . فقد كان مصدر استيائه ما كان يعتقده في عثمان في هوادة في الدين وتهاون في أحكامه ، بخلاف ما كان عليه ابن سبأ . وقد صادفت دعوة ابن سبأ في البصرة مرعى خصببا ؛ بيد أن عبد اللّه
--> ( 1 ) احتجن المال : صمه واحتواه . ( 2 ) الطبري 1 : 2859 . ( 3 ) الخطم : ( بفتح الخاء وسكون الطاء ) مقدم الأنف والفم من الدابة ، والمراد هنا : بدأت أوائل الفتنة . ( 4 ) سيرة ابن هشام ( طبعة أوروبا ) 2 : 971 . ( 5 ) رسائل الخوارزمي ص 131 . مروج الذهب للمسعودي ج 1 ص 483 .