حسن ابراهيم حسن
326
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
عن أنس بن مالك أنه قال : « ما صليت وراء إمام بعد رسول اللّه أشبه صلاة برسول اللّه من هذا الفتى ، يعنى عمر بن عبد العزيز ، وهو أمير على المدينة » . على أن عمر كان برغم هذا كله متأثرا بجاهة وطيب أرومته ، حتى لقد أخذ عليه البعض أنه كان في صباه يبالغ في تنعمه ويختال في مشيته . ولعل ذلك كان راجعا إلى أنه كان لا يزال حينذاك في ميعة الصبا وشرخ الشباب . حتى إذا تقدمت به السن وأثقلت أعباء الإمارة والخلافة كاهلة زهد في الدنيا وزينتها . نعم ! إن هذا التنعم لم يله هذا الشاب المترف عن التمسك بأهداب الدين وما يتطلبه ذلك التمسك من الوفاء بالعهد والميثاق . فقد أراد الخليفة الوليد أن يعزل أخاه سليمان من ولاية العهد وأن يبايع ابنه ، وأطاعه كثير من الاشراف رغبة أو رهبة . ولكن عمر أبى أن يخلع رجلا له في عنقه بيعة ، ولم يخش في الحق لومة لاثم ولا سخظ خليفة ولا خشية عذاب أو موت حين قال للخليفة : « في أعناقنا بيعة » ، وأضر على موقفه ، فانقلب عليه الوليد حتى مالت عنقه وأشرف على الهلاك ، لولا أن بعضهم شفع فيه ، فأطلقه الخليفة واكتفى بعزله عن المدينة « 1 » . ثم دارت الأيام دورتها ، وآلت الخلافة إلى سليمان بن عبد الملك ، فلم ينس ذلك الموقف الرائع الذي وقفه منه عمر حتى كاد أن يضحى بحياته في سبيل الوفاء بعهده . فإن سليمان لما مرض مرض الموت أراد أن يبايع أحد أولاده ، فنهاه السدى وكان أحد خاصته ، وقال له : يا أمير المؤمنين ! إنه مما يحفظ الخليفة في قبره أن يستحفظ على الناس رجلا صالحا ، فقال سليمان : أستخير اللّه وأفعل ، ثم استشاره في عمر بن عبد العزيز ، فأثنى عليه خيرا وأشار بتوليته العهد ( الفخري ص 117 ) . ولم يتردد سليمان في تولية عمر عهده ، مدفوعا بذلك الموقف الذي وقفه منه عمر وما آنسه فيه من حسن الخلق وكريم السجايا . فكتب عهده ، وختمه بدير سمعان من أعمال حمص « 2 » ، ودعا أهل بيته وقال لهم : « بايعت لمن عهدت إليه
--> ( 1 ) السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 125 . ( 2 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص 167 .