حسن ابراهيم حسن
318
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
ويرشلونة ، واستمرا في السير حتى بلغا جبال البرانس . وتم بذلك فتح أسبانيا عدا الأقاليم الجبلية في الشمال الغربى التي التجأ إليها أشراف القوط وكبراؤهم . ولم تقف أطماع موسى عند حد جبال البرانس ، بل عزم على مواصلة الفتوح في جنوب بلاد فرنسا الحالية ، على أن يتجه شرقا حتى يصل إلى القسطنطينية التي عجز العرب عن فتحها ، ثم يستمر في فتوحه حتى يلحق بحاضرة الخلافة وبذلك يجعل البحر الأبيض المتوسط بحيرة عربية . ولما بلغ الخليفة الوليد ذلك أمره بالكشف عن التوسع واستدعاه هو وطارقا ، لأنه لم يرض أن يعرض المسلمين للخطر ، ولأنه كان يخشى ازدياد نفوذ موسى واستقلاله بتلك البلاد إذا تم له فتحها ، وكتب إلى موسى أن يعدل عن تنفيذ هذه الخطة الجريئة . فرحل إلى دمشق سنة 96 ه بعد أن ولى ابنه عبد العزيز بن موسى عليها ، وولى ابنه عبد اللّه على إفريقية . وقبل وصول موسى إلى دمشق مرض الوليد مرض الموت فطلب أخوه سليمان ، وكان الوليد قد ولاه عهده ، إلى موسى أن يبطىء في السير حتى يموت الوليد طمعا في الحصول على الغنائم والتحف التي كان يحملها هذا القائد . غير أن موسى لم يعمل بهذا إلى الرأي فحقذ عليه سليمان كما سيأتي . أما طارق فقد انتهت حياته في غموض كما بدأت في غموض . وكل ما ذكره المؤرخون أنه رحل مع مولاه موسى بن نصير بعد فتح الأندلس إلى الشام وانقطع خبره . خلف عبد العزيز بن موسى بن نصير أباه في ولايه الأندلس كما تقدم ، فنظم الحكومة ، وألف مجلسا خاصا لاستنباط الأحكام الشرعية التي تتفق وحالة السكان وعنى بالزراعة ونظم الطرق ، ورفع عن الأسبان مظالم القوط ؛ فخفف الضرائب التي أثقلت كاهلهم وساوى فيها بين طبقات الأمة من غير تمييز في الدين والجنس . كما أمن الأهلين على دينهم وأموالهم وأنفسهم وحريتهم ، وشجع العرب على الاختلاط والتصاهر معهم ، وتزوج هو بأرملة لذريق التي يقيت على دينها . وكان من أثر مغالاة عبد العزيز بن موسى في إرضاء المسيحيين ، ان نقم عليه بعض أعدائه ووشوا به عند الخليفة سليمان بن عبد الملك لذي كان يخاف خروجه عليه انتقاما لأبيه ، فأثار جند الأندلس واوغر صدورهم عليه فقتلوه بعد أن حكم هذه البلاد سنتين « 1 » .
--> ( 1 ) المقرى : نفح الطيب ج 1 ص 110 .