حسن ابراهيم حسن

295

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

خيل الأعراب أغارت على حمص وبعلبك وغيرهما - إلى آخر ما هنالك من أخبار السوء التي تذهب بعقل الحليم وتبعث في النفس اليأس والقنوط . كان عبد الملك - على الرغم من هذا كله - رابط الجأش شديد الإيمان بكفايفه وقدرته ، فلم ير في ليلة قبلها أشد ضحكا ، ولا أحسن وجها ، ولا أبسط لسانا ، ولا أثبت جنانا من تلك الليلة تجلدا وسياسة للملوك . ولننظر الآن كيف تغلب عبد الملك على هذه الصعاب . بعد أن قضى الحجاج بن يوسف الثقفي على عبد اللّه بن الزبير - على ما سيأتي - ولاه عبد الملك بلاد الحجاز سنة 73 ه ، فظهل بها إلى سنة 75 ه حيث ولاه عبد الملك العراق ؛ وسار إليها في جيش من أهل الشام . ولما بلغ القادسية أمر الجيش بالاستراحة ، وسار هو في اثنى عشر راكبا إلى الكوفة ، فدخلها وصعد المنبر متلثما . ولما غص الجامع بأهله كشف اللثام عن وجهه وخطبهم خطبته في الأدب والتاريخ ، وكلها إطناب واستهتار بأهل العراق ، وتوعد لهم لما كان منهم من شق عصا الطاعة على بنى أمية : « أنا ابن جلا وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفونى يا أهل الكوفة ! إني لأرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها ، وإني لصاحبها ، وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى » . أما بقية الخطبة فإنها لا تختلف في معناها ولهجتها عما تقدم . ولما فرغ الحجاج من خطبته لم يفه أحد ممن كان بالمسجد ، وفيهم أهل الشرف والرياسة ، بكلمة يعترض فيها على قوارص كلمه وشديد زهوه بنفسه أو يظهر استياءه لما لحق أهل بلده من مذلة وما حاق بهم من مهانة . وبعد هذه المقدمة الطويلة المفزعة أمر الحجاج غلامه بأن يقرأ على الناس كتاب عبد الملك فقرأ : « بسم اللّه الرحمن الرحيم ! من عبد الملك أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين ، سلام عليكم ! » . غير أن أحدا من الحاضرين لم يرد سلام الخليفة ، فأمر الحجاج غلامه بالكف ، وأخذ يوبخ الناس ويتهددهم ويتوعدهم ؛ فقال « واللّه لأؤدبنكم غير هذا الأدب أو لتستقيمن » ، ثم أمر غلامه فأعاد الكرة ،