حسن ابراهيم حسن
293
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
ابن الزبير وخشي عاقبة عدائهم إذا بقي في مصر ، وأفضى بذلك إلى أبيه ، فخفف من خوفه ورسم له الخطة التي يتألف بها قلوب المصريين على اختلافهم ، وأوضح له أن هذا الأمر لا يتم إلا إذا أسرهم بجوده وجذبهم إليه بالمودة والبشاشة ، وأوصاه بأن يظهر لكل زعيم أنه خاصته دون غيره من الزعماء ، وبهذا يتفانى الكل في خدمته ويجمعون على طاعته « 1 » . ولم يفت مروان أن يزيد ابنه من النصائح في وصية أخرى تكفل له الراحة والطمأنينة في هذا البلد ، فأوصاه بتقوى اللّه في السر والعلانية ، وبالبر بالفقراء وتنفيذ وعده إذا وعد ولو حال دون ذلك شوك القناد ، وأن تكون المشورة رائده قبل الفصل في أمور دولته ، فتلهج الألسنة بالدعاء له ويأمن الفتن والقلاقل « 2 » . وعمل عبد العزيز بنصائح أبيه ، فنجحت سياسته في مصر نجاحا ظاهرا ، واستطاع أن يدخل كثيرا من ضروب الإصلاح ، فبنى مقياسا للنيل ، وزاد في جامع عمرو من ناحية الغرب ، وأخل في شماله رحبة فسيحة . وأقام على خليج أمير المؤمنين قنطرة عند الحمراء القصوى بطرف الفسطاط « 3 » ونقش عليها اسمه ( 69 ه ) « 4 » ، واتخذ مدينة حلوان حاضرة لولايته ( 73 ه ) بعد أن أصيب بداء الجذام . وقيل إنه انتقل إليها لتفشى الوباء في الفسطاط ، ونقل إليها بيت المال ، وأنشأ بها بركة كبيرة ساق إليها الماء من العيون القريبة من جبل المقطم على قناطر معلقة مشيدة على أعمدة تصل عيون الماء بالبركة . ويظهر أن الأمويين أخذوا هذا النوع من القناطر عن الروم ، وكانت منتشرة في الدولة الرومانية في القرن الثاني الميلادي . وغرس عبد العزيز في حلوان الأشجار والنخيل ، وبنى بها المساجد وغيرها من الأبنية الفخمة ، حتى قيل أنه بذل في سبيل ذلك مليون دينار « 5 » . وبلغ من شغفه بالعمارة والتماثيل أنه بنى في مدينة الفسطاط حماما لابنه زيان وأقام على بابه تمثالا عجيبا من الزجاج على صورة امرأة ، وأطلق
--> ( 1 ) الكندي : كتاب الولاة ص 47 - 48 . ( 2 ) الكندي ص 48 . المقريزي : خطط ج 1 ص 209 . ( 3 ) ومكانها الآن على الخليج عند مسجد السيدة زينب . ( 4 ) ابن دقماق : الانتصار لواسطة عقد الأمصار ج 4 ص 63 ، 120 . ( 5 ) أبو صالح الأرمني : كنائس وأديرة مصر ، ورقة 52 ب - 152 .