حسن ابراهيم حسن
257
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
ومن ثم نرى أن التنافس قد ظهر عند ذلك الوقت بين عثمان وعلى أو بالأحرى بين بني هاشم وبنى أمية ، لأن الخلافة انحصرت فيهما تقريبا ، إذ أن الناس كانوا لا يعدلون بهما أحدا غيرهما . وكاد الأمر يتم لعلى ، لولا أنه لم يتمش مع عبد الرحمن بن عوف بأن يسير على ما سنه أبو بكر وعمر ، وأراد أن يعمل بمبلغ علمه ، فصرفت عنه الخلافة إلى عثمان الذي رضى عن طيب خاطر أن يتبع سنة من كان قبله . وكان ذلك في آخر شهر ذي الحجة سنة 23 ه . اختير عثمان للخلافة ، فانقسم المسلمون إلى أمويين وهاشميين أو علويين . فقد كان على هو المقدم في بني هاشم ، لسبقه في الدين وإخلاصه وتضحيته في سبيل نصرة هذا الدين ، ولأنه زوج فاطمة بنت رسول اللّه . أما العباس عم النبي فإنه لم يتطلع إلى الخلافة واكتفى بمساعدة على . وبعد أن بويع عثمان خطب الناس هذه الخطبة فقال : « إنكم في دار قلعة « 1 » ، وفي بقية أعمار ، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه ، فلقد أتيتم صبحتم أو مسيتم . ألا وإن الدنيا طويت على الغرور ، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم باللّه الغرور . واعتبروا بمن مضى ، ثم جدوا ولا تفعلوا ، فإنه لا يغفل عنكم . أين أبناء الدنيا وإخواتها ، الذين آثروها وعمروها ومتعوا بها طويلا ؟ ألم تلفظهم ؟ أرموا بالدنيا حيث رمى اللّه بها ، وأطلبوا الآخرة فإن اللّه قد ضرب لها مثلا - والذي هو خير - فقال عز وجل : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا ( سورة الكهف 18 : 45 ) « 2 » . وهذه الخطبة لا تبين لنا السياسة التي عول عثمان على انتهاجها في إدارة شؤون دولته ، وإنما هي عبارة عن نصائح تتعلق بالدين لا بالسياسة . كأن عثمان لا يريد أن يلزم نفسه بسياسة خاصة يطمئن إليها المسلمون وغيرهم من أهالي الدولة الإسلامية في عهده . وقد يرجع سبب ذلك إلى شيخوخته ، وما قطر عليه من اللين والتدين والتعليق بآثار السلف . ( م 17 - تاريخ الإسلام ، ج 1 )
--> ( 1 ) بضم القاف وتسكين اللام أو ضمها أو فتحها ، أي دار انقلاع ليست بمستوطن . ( 2 ) الطبري ج 5 ص 43 .