حسن ابراهيم حسن

209

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

ثم وقف على الخلق واحدة واحدة وقال لهم : شاهت الوجوه لا يرغم اللّه إلا هذه المعاطس . من أراد أن تثكله أمه ويوتم ولده وترمل زوجته فليلقنى وراء هذا الوادي . قال على : فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علمهم وأرشدهم ومضى لوجه . وكان عمر يعارض الدعوة الإسلامية معارضة شديدة في مبدأ الأمر ؛ ولكنه ما لبث أن صار من أتباع الرسول المتفانين في نشر الإسلام . وهاك ما رواه ابن هشام « 1 » عن إسلامه : خرج عمر يوما متوشحا بسيفه يريد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلقيه نعيم بن عبد اللّه فقال له : أين تريد يا عمر ؟ فقال أريد محمدا هذا الصابىء الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها فأقتله ، فقال له نعيم : واللّه لقد غرتك نفسك يا عمر ، أترى بنى عبد مناف تاركيك تمشى على الأرض وقد قتلت محمدا ؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم ؟ قال : وأي أهل بيتي ؟ قال : ختنك ( صهرك ، يقصد زوج أخته ) ، وابن عمك سعيد بن زيد ابن عمرو ، وأختك فاطمة بنت الخطاب . فقد واللّه أسلما وتابعا محمد على دينه ، فعليك بهما ؛ فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه وعندهما خباب بن الأرتّ معه صحيفة فيها « طه » يقرئها إياها . فلما سمعوا صوت عمر اختفى خباب في البيت وأخفت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة . . وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب . فلما دخل قال : « ما هذه الهينمة التي سمعت » ؟ قالا له : ما سمعت شيئا . قال : « بلى واللّه لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه » . وبطش بختنه سعيد ابن زيد ، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها . فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه : نعم ! قد أسلمنا وآمنا باللّه ورسوله ، فاصنع ما بدا لك . فلما رأى عمر بأخته من الدم ، ندم على ما صنع ، فارعوى وقال لأخته : أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرمون آنفا ، أنظر ما هذا الذي جاء به محمد . فقالت له أخته : إنا نخشاك عليها ، قال لا تخافي ، وحلف لها بآلهته ليردنها إليها إذا قرأها ، فقالت له أخته : يا أخي أنك نجس على شركك وإنه لا يمسها إلا الطاهر . فقام عمر فاغتسل ، فأعطته الصحيفة وفيها « طه » . . ( م 14 تاريخ الإسلام ، ج 1 )

--> ( 1 ) ج 1 ص 364 - 370 .