حسن ابراهيم حسن
132
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
ويتنافسون في كسب احترام العرب وفي الدعاية بينهم كل لدينه . وكان اليهود يستنصرون على المشركين في الجاهلية ويقولون : اللهم انصرنا بنبي آخر الزمان . وإذا سألهم العرب قالوا : إن نبيا قد قرب زمانه ، وسيكون لمن اتبعه العز والنصر إلى يوم القيامة ، ويتوعدون العرب باتباعه والاستنصار به عليهم : لذلك كان اليهود يكرهون محمدا وينظرون إليه وإلى دعوته بعين الخوف من أول يوم طلع عليهم من أفق يثرب . ثم ازداد خوفهم وظهر حسدهم له عندما رأوا الناس يدخلون في دين اللّه أفواجا ، فأخذوا يكيدون للإسلام والمسلمين بالدس ولإرجاف ، ثم بالمراء والجدل فيما يعلمون وما لا يعلمون . وإذا سئلوا عن شئ مما في كتبهم حرفوا الكلم عن مواضعه ، وألبسوا الحق بالباطل ليكسبوا ولاء المشركين بالغض من شأن الإسلام ، لا لسبب سوى كراهيتهم للرسول لما اختصه اللّه من الرسالة . وقد نعى اللّه عليهم ذلك بقوله بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ( سورة البقرة 2 : 90 ) . وكانوا يسعون في دين اللّه معاجزين ، لكي يفتنوا الناس عن دينهم ويوهنوا عقائدهم بالشبه والأباطيل . وفي ذلك يقول اللّه تعالى وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ، مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( سورة البقرة 2 : 109 ) . كل ذلك والنبي يصابرهم ويصبر عليهم ويغض النظر عن نفاق من نافق منهم ، ويسوى بينهم وبين المسلمين في المصالح ، ويحترم شعائرهم . وقد وفي لهم بوعودهم ، مكتفيا بعقاب الأشخاص الذين كانوا يخالفون عهوده ، ولم يأخذ البرىء منهم بحرم المسىء كما فعل بكعب ابن الأشرف وسلام بن أبي الحقيق . فقد اكتفى بقتلها دون أن يتعرض لجماعة اليهود . ومع ذلك كان الرسول يرفق باليهود إذا نقضوا عهده أو حاربهم فانتصر عليهم ، فكان لا يعاقبهم إلا بمقدار ما يكف أيديهم عنه . وكان يحكم فيهم من يختارونه بأنفسهم . وصفوة القول أن معاملة الرسول إياهم كانت أيسر وأخف من معاملته قريشا وغيرها .